سناء كمال
(خاص) زمن برس، فلسطين: دقائق معدودة لكنها كانت كفيلة أن تحمل في طياتها العديد من الصور والمآسي التي واجهها سكان برج الظافر 4 بحي تل الهوا غرب مدينة غزة، إضافة إلى سكان الأبراج المحيطة به بعد ان تلقى سكانه مكالمة هاتفية من المخابرات الإسرائيلية تأمرهم بضرورة إخلائه خلال خمس دقائق.
لم يصدق السكان في بداية الأمر المكالمة الهاتفية التي ظنوا أنها من أحد العملاء أو حتى أحد السكان يحاول أن يمزح معهم "حتى وإن كانت غير مضحكة"، فتكرر الاتصال على ذات الشخص بعد أن رد على المكالمة أخبر المتصل بأنه لا يكترث "لمزاحه الثقيل"، وهو ما جعل المتصل يتصل ب3 من الجيران غيره يأمروهم ذات الأمر، بعدها بدأت الأمور تذهب إلى منحى الجدية لا المزح.
وبلمح البصر تراكض سكان البرج المكون من 14 طابقا على السلالم يدق الهاربون من الطوابق العلوية على من جيرانهم بالأسفل ويطلبون منهم الهرب، لم يستطع أحد أن يحمل شيء من حاجياتهم، نظرا لعدم توقعهم أن يتم قصف البرج بأكمله فظنوا ربما تكون شقة أو اثنتين فقط المستهدفة.
وفي أقل من 15 دقيقة أخلي البرج تماما، ووقف الجيران ليس ببعيد يراقبون كيف سيتم قصف برجهم المدني ومن المستهدف فيهم بالضبط، لكن الصدمة الكبرى كانت بتسوية البرج بالأرض فأصبح أثراً بعد عين بعد استهدافه بصاروخين من طائرة أف 16.
محمد الشوا (19 عاما) لم يستطع التعبير عن صدمته سوى بالتكبير بعد أن رأى المبنى الذي عاش فيه حياته كاملة منذ ولادته ينهار أمام عينيه لتنهار ذكرياته وأحلامه وكذلك مستقبله.
ويقول الشوا لزمن برس:" ماهو ذنبنا كي يتم استهداف برجنا بهذه الصورة الوحشية، ماذا اقترفنا لنعاقب بهذه الطريقة"، مشيراً " أن إسرائيل لن تتمكن من تحقيق مآربها بهزيمة قوة المقاومة واحتضان الشعب لها مهما تمادت بجرائمها ضد السكان المدنيين بعد فشلها باستهداف المقاومين" على حد تعبيره.
أما إبراهيم أبو عمرة (24 عاما) فراح يراقب عملية القصف وقلبه يرتجف ، خاصة وأنه أعاد إليه ذكرى استهداف منزله في حي الشجاعية المكون من 5 طوابق فوق رؤوس ساكنيه، ما أدى إلى استشهاد العديد من أقاربه، فلم يجد ملاذاً له سوى استضافة أقارب له في البرج لحين انتهاء الحرب.
ويقول أبو عمرة لزمن برس:" اليوم تشردت للمرة الثانية، ولكنني مع أقاربي الذين استضافوني بعد استهداف منزلنا، فأين سنذهب الآن ومن سيأوينا"، مشيرا إلى أن الحالة النفسية لأقاربه محطمة تماماَ.
أما آمال الشوا (34 عاما) فكانت صدمتها قوية حين أتت في صباح اليوم التالي كي ترى ماذا حل ببرجهم الذي عاشوا فيها لأكثر من 15 عاما، بعد أن شاهدته عبر شاشات التلفاز من بيت أصدقائها الذين آووهم، "لكن صدمتها كانت أقوى على الطبيعية" كما تقول:" لم أتوقع أن يكون هكذا مسوى بالأرض" وبكت بحرقة على بيتها وراحت تقول:" راح مستقبل ولادي وراحت حياتهم، حسبنا الله ونعم الوكيل".
فيما راح السكان يستصلحون ما يمكنهم انقاذه من حاجياتهم من تحت الركام، لعلهم يستفيدون منه، وبينما ينبش سمير الشوا بين أغراضهم راح يقول لزمن برس:" بعد 46 يوما من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، واستنفاذ دولة الاحتلال كافة وسائلها لإركاع الشعب الفلسطيني، وتمسك فصائل المقاومة بكافة شروطها لاتمام مفاوضات غير مباشرة مع الإسرائيليين الذين خرقوها أكثر من مرة، لم تجد أمامها سبيلا سوى أن تنتهج تدمير الأبراج السكنية في قطاع غزة لإركاعنا".
أما محمد المقادمة الذي يعيش مع عائلته المكونة من 7 أفراد فيقول لزمن برس:" لن نبقى مكتوفي الأيدي وسنبني برجنا من جديد فور انتهاء الحرب، بنفس الهندسة ونفس المقاول، فنحن لن نبقى بالشوارع ولن نلجأ إلى المدارس لتصيبنا الأمراض كما جرى مع غيرنا من السكان الذين هدمت منازلهم".
فيما نصب أبو محمد (45 عاما) أحد سكان البرج خيمة في الأرض الفارغة المجاورة لبرجهم المدمر، كي يبقى فيها لحين انتهاء الحرب وبناء البرج من جديد والعودة لمنازلهم، ويقول لزمن برس:" إسرائيل لن تهزم إرادتنا ولن تركعنا فكل ما تريده أن تفرض عقوبات جماعية بعد أن خسرت حربها ولكنها لم تتمكن من تحقيق مأربها الخاسر".
ولعل الرسالة التي تريد إيصالحها إسرائيل للفلسطينيين من خلال اتباعها سياسة جديدة في فرض عقوبات جماعية:" إذا لم تتوقفوا عن إطلاق الصواريخ وترفعوا الراية البيضاء، فنحن لا نخشى تدمير غزة"، وهي بالفعل تستطيع فعل ذلك كما يقول الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله، موضحا انها محاولة جديدة لتكوي بها إسرائيل الفلسطينيين كي يطالبوا بتهدئة وفق شروط إسرائيل.
ولكنها لن تفلح بذلك كما يؤكد عطا الله خاصة وأن مطالب فصائل المقاومة معقولة، وهي فقط لمصلحة الشعب الفلسطيني، خاصة وأنها مشروعة تعمل على رفع الحصار المفروض على أهالي القطاع من أكثر من ثمان سنوات دمرت الكثير من مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية بغزة.
ويراهن عطا الله على أن إسرائيل لا تستطيع الاستمرار طويلا على الرغم من عدم مقدرته على تحديد سقف زمني لانتهاء العدوان عن القطاع، خاصة وأنها تسعى إلى إعادة الحياة الطبيعية لسكان غلاف غزة الذي يقلقها رحيلهم ونزوحهم بهذا الشكل.
وفي الوقت ذاته يرى عطا الله" أن الفلسطينيين ربما لن يستطيعوا تحمل المزيد من الجرائم الإسرائيلية التي لو أنها خمدت نيرانها منذ أسبوعين لتركت آثارها التدميرية التي هي بحاجة لسنوات كي يتم إعادى إعمارها".
أما الحقوقي صلاح عبد العاطي فيرى بأن إسرائيل تحاول إخفاء جرائم الحرب التي ارتكبتها في قطاع غزة من خلال منعها وفودا تابعة للجان تحقيقات دولية، ولكنه في الوقت، استطاع الإعلام إيصال الرسالة إلى كافة أنحاء العالم والدليل خروج المسيرات المؤيدة للفلسطينيين على حد قوله.
ويقول عبد العاطي:" القانون الدولي الإنساني يكفل للمدنيين الأمن على حياتهم ومالهم ومسكنهم، وهو ما تسنه كافة القوانين والتشريعات الدولية، ولا يوجد أي مبرر لإسرائيل كي تشن هجومها ضد المدنيين".
ويضيف:" قطاع غزة يعيش كارثة انسانية بكل معنى الكلمة، فهو يعيش تحت القذائف والصواريخ ورصاص الدبابات، فبات المواطن الغزي يخشى على نفسه وأطفاله من موت محتم، خاصة وأن كافة الأماكن غير آمنة في غزة ولا حتى مقرات المؤسسات الدولية مثل مدارس الأونروا".