تضييق اقتصادي على الضفة الغربية... رسوم إسرائيلية ترفع الأسعار

تضييق اقتصادي على الضفة الغربية... رسوم إسرائيلية ترفع الأسعار

زمن برس، فلسطين:  يتجه الشارع الفلسطيني نحو ارتفاع سيلحق بأسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، بعد قرار إسرائيلي دخل حيّز التنفيذ التجريبي منتصف الشهر الماضي، وبدأ العمل به رسمياً مطلع أغسطس/آب الجاري، ويقضي بفرض رسوم إسرائيلية مستحدثة على المواد الغذائية المستوردة عبر جسر الكرامة المعروف إسرائيلياً بـ"اللنبي" الواصل بين الضفة الغربية والأردن، الأمر الذي سيؤدي إلى إبطاء واردات السلع وسلاسل التوريد، ورفع كلفة الشحن التجاري من الأردن ومصر، والذي ينعكس أخيراً على سعر الشراء لدى المستهلك.

وتنصّ الشروط الإسرائيلية الجديدة على "ألا تدخل أي شحنة غذائية عبر معبر اللنبي من دون تقديم طلب إفراج مسبق يشمل بيانات الشاحنة، وشهادة المنشأ ووسيلة النقل، وشهادة تأكيد استلام حتى لا يتم بيع الشاحنة في السوق الإسرائيلي".
ووفق المخلّص الجمركي الدولي مازن أبو شمسية، فإن "الإجراءات الإسرائيلية الجديدة ستفرض أعباءً مالية وإدارية إضافية على المستوردين الفلسطينيين"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن "الشاحنات ستخضع لما يسمى بالحجر الصحي، وهو إجراء لم يكن موجوداً من قبل في معبر الكرامة وفق الاتفاقيات الاقتصادية المتبادلة (اتفاقية باريس). كما ستخضع البضائع الواردة للفحص، والتأخير قبل الوصول إلى السوق الفلسطيني، وذلك سيقع على عاتق المستورد مالياً".
وحسب تقدير أبو شمسية فإن الخطوة، تستهدف تحقيق عدة أهداف، "أولها جباية الرسوم الجديدة، وثانيها جباية أجور التخزين (الأرضيات) الناتجة عن التأخيرات، وثالثها حماية المستهلك الإسرائيلي في حال بيعت هذه البضائع له وليس حماية المستهلك الفلسطيني".

"هذه الإجراءات ستنعكس سلباً على الاقتصاد الفلسطيني" وفق أبو شمسية، وذلك "بسبب ارتفاع الرسوم، إلى جانب التأخيرات القائمة أصلاً على جسر الكرامة لأسباب أمنية، حيث تمكث الشاحنات وقتاً طويلاً تحت الشمس، وأصبح الأمر يتطلب إجراء فحوصات إضافية".

ويلفت إلى أن الرسوم الجديدة لا تقتصر على الفحوص الصحية، موضحاً أن "البضائع التي تتطلب فحصاً ولا توجد لها أماكن تخزين مخصصة، تُحوَّل إلى مناطق تخزين في ميناء أشدود الإسرائيلي وستزيد الرسوم على المستورد ما يؤدي إلى تحصيل رسوم إضافية".
ويقدر أبو شمسية أن "الزيادة على كل ملف للشحنة التجارية سيتراوح بين 700 و1500 دولار، وتشمل رسوم الصحة، وأجور التخزين، ورسوم المختبرات".
"هذه الإجراءات تطبق بصورة أساسية على ما يُصنف بالبضائع الحساسة"، بحسب المخلّص الجمركي الدولي، وهي السلع سريعة التلف أو التي تحتوي على مشتقات الحليب، مثل اللبنة، والجبنة، واللبن الجميد، والأسماك، والمواد المجمدة، أما السلع ذات الصلاحية الطويلة، مثل رقائق البطاطس (الشيبس)، والعلكة، وغيرها من المنتجات غير سريعة التلف، فتكون كلفة الإجراءات عليها أقل، ما يعني أنّ المواد الأساسية التي تستهلكها العائلات الفلسطينية هي التي ستتعرض للزيادة السعرية.
ويحمل القرار أبعاداً سياسية إلى جانب آثاره الاقتصادية، وفق أبو شمسية قائلاً إن "القرار يتصل بضرب الاقتصاد الفلسطيني، كما يستهدف الاقتصادين الأردني والمصري إذ يخلق حالة من العزوف لدى المستوردين عن الاستيراد من الدول العربية المجاورة، ويتجهون بدلاً من ذلك إلى شراء البضائع من السوق الإسرائيلي، لتعزيز اقتصادهم في ظلّ استعدادات مستمرّة لتصعيد عسكري في المنطقة".
من جانبه، قال رئيس نقابة تجار المواد الغذائية وسيم الجعبري لـ"العربي الجديد"، إنهم لم يُبلغوا بالقرار رسمياً من أيّ طرف كان، وأنه في حال التطبيق سينعكس ذلك على التاجر الفلسطيني سلباً، وسيزيد من الحصار الاقتصادي الإسرائيلي على الاقتصاد الفلسطيني.
وحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، سجل مؤشر غلاء المعيشة في الضفة الغربية ارتفاعاً نسبته 2.08% خلال النصف الأول من العام 2026 مقارنة بالنصف المناظرة من العام السابق، كما شهد المؤشر ارتفاعاً نسبته 2.95% في القدس لنفس الفترة، فيما تراجع المؤشر بشكل حاد في قطاع غزة بمقدار 41.66% خلال النصف الأول 2026؛ بعدما شهد مستويات أسعار غير مسبوقة من الارتفاع خلال عامين من العدوان، ليسجل مؤشر غلاء المعيشة بالمحصلة في فلسطين انخفاضاً مقداره 20.91%.

وتواصلت "العربي الجديد" مع وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطيني التي ماطلت في الرد، وتذرّعت بعدم توفّر المعلومات النهائية لديهم حول القرار.

وقبيل اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان يدخل عبر جسر الكرامة (الملك حسين) ما يزيد على 500 شاحنة تجارية يومياً، ثمّ تقلص العدد إلى 250، حتى وصل إلى ما هو أقل من 100 شاحنة محملة بالمواد الغذائية، بحسب التاجر وأستاذ الاقتصاد في جامعة القدس، ياسر شاهين.
ويقول شاهين لـ"العربي الجديد": "إن معبر الكرامة يستقبل صادرات قادمة من الأردن ومصر والإمارات والسعودية وقطر، تشمل مدخلات إنتاج وسلعاً غذائية متنوعة، مثل الألبان، والمياه، والعصائر، والتونة، وغيرها من المواد الغذائية الاستهلاكية الأساسية".
ووفق تقديره، فإن الإجراءات الإسرائيلية الجديدة ستؤدي إلى تراجع كبير في حركة الشاحنات، موضحاً أن "عددها سيتقلص بنسبة تتجاوز 50% إلى 60%، وهو ما سيفرض قيوداً كبيرة تكاد تصل إلى حد منع تجارة الأغذية الداخلة عبر معبر الكرامة بشكل عام".
ويلفت شاهين إلى أن السلع الغذائية مثل الألبان والمعلّبات ستكون الأكثر تأثراً بالإجراءات الجديدة، مبيناً أن "بعض المواد الغذائية ستكون عرضة للتلف، أو على الأقل لتراجع جودتها، إذا بقيت محتجزة على المعابر لأكثر من يوم أو يومين".
ويعتبر أن القرار يتجاوز أبعاده الإدارية، ويحمل أهدافاً اقتصادية وسياسية، قائلاً: "يأتي هذا القرار في إطار دفع التجار الفلسطينيين إلى الاستيراد عبر إسرائيل، وفرض واقع يجبرهم على اللجوء إلى البدائل الإسرائيلية، ولا سيما في ظل تراجع الإقبال على البضائع الإسرائيلية خلال الحرب على غزة نتيجة حملات مقاطعتها، ويهدف القرار إلى ممارسة مزيد من الضغط على الفلسطينيين لدفعهم إلى العودة إلى استخدام البدائل الإسرائيلية".