اعتقالات الإصلاحيين في إيران تفتح جبهة داخلية جديدة أمام بزشكيان

زمن برس، فلسطين: أثارت حملة التوقيفات الأخيرة التي طاولت قيادات بارزة في جبهة الإصلاحات الإيرانية، على خلفية الاحتجاجات الأخيرة في إيران تساؤلات وجدلاً حول دوافعها وتوقيتها، في ظل مرحلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الأزمات الداخلية والخارجية، بالتزامن مع مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة وتصاعد الضغوط العسكرية واحتمالات اندلاع حرب. وجاءت اعتقالات الإصلاحيين في إيران فيما لا يزال المجتمع الإيراني تحت وطأة صدمة الاحتجاجات الدامية التي خلّفت آلاف القتلى، وسط شرخ بين الشارع والسلطات وخلاف حاد بين التيار الإصلاحي والرواية الرسمية بشأن أسباب الأحداث الأخيرة وظروف مقتل الآلاف فيها.
والمعتقلون هم آذر منصوري رئيسة جبهة الإصلاحات، المظلة الجامعة للأحزاب الإصلاحية، وإبراهيم أصغرزاده رئيس لجنتها السياسية، إضافة إلى محسن أمين زاده نائب وزير الخارجية الأسبق في حكومة محمد خاتمي، فضلاً عن جواد إمام، المتحدث باسم جبهة الإصلاحات والأمين العام لـ"جمعية الفدائيين". كما تم استدعاء آخرين إلى النيابة العامة. وقال محمد جليليان، محامي حسين كروبي، في تغريدة على إكس، أمس الاثنين، إن موكله اعتُقل بعد استدعائه إلى نيابة الثقافة والإعلام بطهران. واتهمت وكالة فارس المحافظة حسين كروبي بأنه "الجهة المحرّضة والمعدّة والمروّجة" للبيان الذي أصدره والده مهدي كروبي. وكان مهدي كروبي، رئيس البرلمان الأسبق (2000 ــ 2004)، يخضع للإقامة الجبرية منذ 2011 قبل الإفراج عنه قبل عام، اتخذ مواقف حادة تجاه ما حدث في الاحتجاجات الأخيرة.
في هذه الأثناء، قال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، في رسالة متلفزة أمس الاثنين إلى الشعب الإيراني عشية الذكرى السنوية الـ47 لانتصار الثورة الإسلامية، إن القوة الوطنية تقوم أساساً على إرادة الشعوب وصمودها أكثر مما تقوم على القدرات الصاروخية، مؤكداً أن الشعب الإيراني أثبت إرادته واستعداده للصمود، داعياً إلى مواصلة هذا النهج لإحباط العدو وإيصاله إلى اليأس. وأعرب خامنئي عن أمله في أن تشكّل مسيرات الأربعاء المقبل في هذه الذكرى "تجسيداً إضافياً لعظمة الشعب الإيراني وتماسكه، بما يعزز مكانته ويفرض احترامه على الدول والقوى الأخرى".
تضارب روايات
وذكرت وكالة "تسنيم" المحافظة أن الاتهامات الموجهة إلى المعتقلين تشمل "استهداف التماسك الوطني"، و"اتخاذ مواقف مناوئة للدستور"، و"التنسيق مع الدعاية المعادية"، و"الترويج لنهج الاستسلام"، إضافة إلى "إنشاء آليات سرية ذات طابع إسقاطي" للنظام. الخلاف بين الإصلاحيين من جهة، والمحافظين والسلطة في إيران من جهة أخرى، ليس جديداً، غير أنه تفاقم هذه المرة مع تضارب الروايات بشأن الاحتجاجات الأخيرة، وظروف مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص. ففي حين تؤكد السلطات الإيرانية أن البلاد واجهت خلال تلك الاحتجاجات ما تصفه بـ"فتنة أميركية" أو "شبه انقلاب"، شاركت فيه "جماعات وخلايا مسلحة وإرهابية"، واعتبرته امتداداً لحرب يونيو/ حزيران الماضية، ترفض أوساط وقيادات إصلاحية بارزة هذه الرواية، وتواصل انتقاد أداء الأجهزة الأمنية والشرطية، موجهةً إليها اتهامات مباشرة بقمع الاحتجاجات والتسبب في مقتل متظاهرين. ووصل الأمر إلى أن اتهم النائب الإصلاحي السابق علي شكوري راد، الذي تم توقيفه أمس، هذه الأجهزة بـ"تدبير توقيت الاحتجاجات بعدما علمت أنها ستحدث"، لكنه قال إنها خرجت عن السيطرة بعد دعوة نجل الشاه رضا بهلوي للتظاهر، ومتهماً إياها أيضاً بالتورط في أعمال القتل والعنف والتخريب. غير أن ذلك أثار انتقادات برلمانيين وجهات محافظة وسط دعوات لمحاكمته إن لم يقدم إثباتات تؤكد صحة روايته.
أحمد زيدآبادي: توقيف واستدعاء قيادات بجبهة الإصلاحات يزيد الاحتقان النفسي داخل المجتمع
وجاءت موجة اعتقالات الإصلاحيين في إيران في أعقاب حملات مكثفة شنتها وسائل إعلام محافظة وشخصيات أصولية ضد قيادات إصلاحية أصدرت خلال الأسابيع الماضية بيانات وتصريحات أثارت غضب السلطات. وشملت هذه الحملات شخصيات بارزة، من بينها آخر رئيس وزراء إيراني مير حسين موسوي (ألغي منصب رئيس الوزراء بموجب دستور 1989) الخاضع للإقامة الجبرية منذ العام 2011، والرئيس الأسبق للبرلمان مهدي كروبي، إلى جانب الرئيسين السابقين محمد خاتمي وحسن روحاني.
في موازاة ذلك، أعلن المكتب الإعلامي في الرئاسة الإيرانية عن اجتماع لجنة خاصة للتحقيق في أحداث الاحتجاجات برئاسة النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف، وعضوية عدد من الوزراء ومسؤولين من داخل الحكومة وخارجها. وبحسب ما أُعلن رسمياً، فإن مهمة الهيئة تتركز على التشخيص الدقيق لجذور الأحداث في إيران وترميم الشروخ المجتمعية، ومنع تكرار مثل هذه الوقائع. ولم يعلن المكتب مخرجات الاجتماع.
اعتقالات الإصلاحيين في إيران تزيد الاحتقان
وفي تعليق على اعتقالات الإصلاحيين في إيران قال الكاتب والمحلل الإيراني أحمد زيدآبادي، لـ"العربي الجديد"، إن توقيف واستدعاء عدد من قيادات جبهة الإصلاحات يزيد على المدى القصير الاحتقان النفسي داخل المجتمع، ويؤدي على المدى البعيد إلى تعميق الانقسام بين القوى السياسية. وأشار زيدآبادي إلى أن التجربة أثبتت أن جزءاً من الإصلاحيين يكون، بعد كل اضطراب شعبي، ضحية للتطورات، سواء شارك في الاحتجاجات أم لم يشارك، من خلال التوقيفات والأحكام وفقدان إمكاناته التنظيمية المحدودة. وحذّر من أن مسار الإصلاح شديد الحساسية، ويتطلب "استراتيجية واضحة وتحليلاً دائماً للظروف، لا سيما في أوقات تصاعد الأزمات".
وأضاف زيدآبادي أنه كان قد وصل قبل أسابيع في تقييمه لمستقبل إيران إلى "حافة اليأس المطلق"، لكنه يرى اليوم رغم موجة اعتقالات الإصلاحيين في إيران "شعاع نور في نهاية هذا النفق المظلم"، حسب وصفه، معتبراً أن هذا الأمل يفتح إمكانية عبور البلاد من أزمتها الداخلية والخارجية الراهنة من دون الانزلاق إلى سيناريو الانهيار.
موقف محافظ
وقال أمين عام حزب "الأخضر" المحافظ حسين كنعاني مقدّم، لـ"العربي الجديد"، إن اعتقالات الإصلاحيين في إيران جاءت بعد تحقيقات أمنية تتعلق بأشخاص كان لهم دور ميداني وتحريضي في أحداث الاحتجاجات الأخيرة. واعتبر أن هذه التحقيقات كشفت عن "أبعاد خفية للتحركات"، من بينها ما وصفه بوجود ارتباطات خارجية مع إسرائيل والولايات المتحدة. وأوضح أن وزارة الاستخبارات واستخبارات الحرس الثوري عمّقتا تحقيقاتهما لاستكمال ما سمّاه حلقات الارتباط في عملية "شبه انقلاب" رافقت الاحتجاجات، مضيفاً أنه في حال كانت القضايا ذات طابع سياسي، فإن أي إدانة ستتم وفق قانون الجرائم السياسية وبحضور هيئة محلفين.
أجواء أمنية معقدة في إيران
من جهته، قال الخبير الإيراني عليرضا كميلي، لـ"العربي الجديد"، إن الأحداث الأخيرة في إيران أدخلت البلاد في أجواء أمنية معقدة، في ظل سقوط آلاف القتلى، ما أدى إلى تصاعد الاتهامات بين التيارات السياسية واحتدام السجال الداخلي. وأوضح كميلي أن الأجهزة الأمنية، بما فيها وزارة الاستخبارات واستخبارات الحرس الثوري، تتأثر بطبيعة الحال بالمناخات السياسية والحزبية، مشدداً على أن الحكم على خلفيات اعتقالات الإصلاحيين في إيران الأخيرة يجب أن ينتظر صدور التقارير الرسمية، من أجل توضيح أسباب اعتقالات الإصلاحيين في إيران وطبيعة التهم.
داود حشمتي: توقيف شخصيات بارزة من التيار الإصلاحي يضع حكومة بزشكيان تحت ضغط مزدوج
وأشار إلى أنه في حال ثبوت وجود تعاون أو تحريض أو ارتباطات خارجية من قبل أي من الموقوفين، فإن ذلك لن "يغتفر"، مؤكداً أن جميع التيارات السياسية، سواء الأصولية أو الإصلاحية، لا يمكن أن تقبل بما يُعدّ خيانة لأمن البلاد. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الملفات لا تزال في مرحلة الغموض، ولا يمكن الجزم بصحة الاتهامات حتى الآن. واعتبر كميلي أن تصاعد الراديكالية في الخطاب السياسي الداخلي انعكاس طبيعي لحجم الصدمة التي خلفتها هذه الأحداث المؤلمة، مؤكداً أن الحفاظ على أمن البلاد يشكل نقطة إجماع بين مختلف القوى السياسية في إيران.
ضغط مزدوج على بزشكيان
وقال الخبير الإصلاحي داود حشمتي، لـ"العربي الجديد"، إن اعتقالات الإصلاحيين في إيران تضع حكومة الرئيس مسعود بزشكيان "تحت ضغط مزدوج"؛ من جهة، من داخل بنية السلطة وبعض التيارات المحافظة التي تظهر ملامحها في تصريحات نواب وبرلمانيين عن وجود إصلاحيين في الحكومة، ومن جهة أخرى من القاعدة الانتخابية التي أوصلت بزشكيان إلى الرئاسة بوصفه مرشح الإصلاحيين، معتبراً أن هذا التوازن كان يخدم مجمل العملية السياسية في البلاد.
وأوضح أن وجود الإصلاحيين داخل معادلة الحكم عبر بزشكيان كان يتيح إدارة الخلافات السياسية داخل المؤسسات بدل انتقالها إلى الشارع، سواء في القضايا الداخلية أو الخارجية. وأضاف أن قطع هذا المسار وترك الرئيس الإيراني بلا سند سياسي من القوى التي دعمت وصوله إلى السلطة قد يشكّل خطراً على الدولة، وعلى الإصلاحيين، وعلى الحكومة نفسها، ويفتح الباب أمام "أزمات أعمق".
وفي ما يتعلق بدوافع اعتقالات الإصلاحيين في إيران أشار حشمتي إلى صدور بيانات رسمية عن النيابة العامة والسلطة القضائية تتضمن اتهامات محددة، مؤكداً أن تقييمها القانوني متروك للمسار القضائي. لكنه شدد على أن الانعكاس السياسي لهذه الإجراءات "سلبي"، خصوصاً في ظل حاجة إيران إلى حوار داخلي وتوافق وطني لعبور أزمة لم تنتهِ بعد، في وقت تواجه فيه إيران تهديدات خارجية وغموضاً يلف مصير المفاوضات والضغوط العسكرية.
وأضاف المحلل الإصلاحي الإيراني أن إقصاء جزء من المشهد السياسي، كان حتى عام واحد فقط شريكاً أساسياً في إيصال الرئيس الحالي إلى السلطة، سيترك آثاراً بعيدة المدى على السياسة الداخلية الإيرانية. واعتبر أن توقيت هذه الخطوات، في ظل التحديات الإقليمية والدولية، يزيد تعقيد المشهد ويضعف قدرة النظام السياسي على إدارة الأزمات.
وتابع حشمتي أن التيارات المناهضة للإصلاحات، سواء داخل التيار الأصولي التقليدي أو جناحه المتشدد، تسعى منذ فترة إلى فصل بزشكيان عن الإصلاحيين وتحويله إلى رئيس بلا ظهير سياسي، عبر الضغط لإبعاد شخصيات إصلاحية من الحكومة. وحذّر من أن هذا المسار قد يؤدي إلى إضعاف الحكومة في لحظة تتطلب دولة قوية وقادرة على اتخاذ قرارات كبرى، مؤكداً أن الخلاف الجوهري بين الإصلاحيين والأصوليين يتمثل في أن الإصلاحيين يريدون حكومة قوية وفاعلة، فيما يفضّل خصومهم حكومة ضعيفة يمكن التحكم بها وإرباكها عند الحاجة.




