كارثة في غزة... تعطل المركبات يهدد الدفاع المدني والإسعاف بالشلل

كارثة في غزة... تعطل المركبات يهدد الدفاع المدني والإسعاف بالشلل

زمن برس، فلسطين:  تؤثر أزمة نقص الوقود وشح الإطارات والزيوت وتعطل المركبات في قطاع غزة على عمل منظومات الإسعاف والطوارئ وجهاز الدفاع المدني، ما يؤخر الاستجابة الإنسانية التي تشمل الوصول إلى المصابين، ونقل المرضى بين المستشفيات، وانتشال جثامين الشهداء، وإطفاء الحرائق، ومختلف عمليات الإنقاذ.

تقف سيارة إطفاء واحدة أمام نقطة الدفاع المدني الواقعة بشارع الوحدة في مدينة غزة، وهي المركبة الوحيدة المؤهلة للتعامل مع الحرائق كافة في المدينة بعد تعطل السيارة الأخرى نتيجة غياب أساسيات الصيانة. وفي يوم 29 يوليو/ تموز الماضي، تعاملت سيارة الإطفاء الوحيدة مع ست حرائق ناجمة عن قصف إسرائيلي.

وفجر 21 يوليو، قصف جيش الاحتلال بناية سكنية تعود إلى عائلة المصري، إلى جوار مفرق "سينما السامر" بمدينة غزة، وأدى الاستهداف لنشوب حريق، ولم تستطع طواقم الدفاع المدني التي وصلت إلى المكان السيطرة على الحريق إلا بعد ثلاث ساعات نتيجة العجز الواضح في المعدات والإمكانات المحدودة، إذ نفدت كمية المياه البالغة 6000 لتر من مركبة الإطفاء الوحيدة، ما اضطرها إلى مغادرة المكان للتزود من محطة مياه قريبة، ثم العودة لمكان الحريق، وجرى إسنادها بسيارة مياه تابعة لبلدية غزة مخصصة لسحب مياه الصرف الصحي.

في أعقاب الاستهداف، كان أطفال عائلة المصري نعيم (14 سنة) وفريال (12 سنة)، وسلمى (10 سنوات)، وأميرة (6 سنوات) يطلبون المساعدة عبر قضبان حماية مثبتة على النافذة، لكن النار حاصرتهم، لتتفحم جثامين الأطفال الأربعة، في واقعة مأساوية كان يمكن تفاديها في حال توفرت معدات الإنقاذ اللازمة.

غياب معدات الحماية الشخصية

عايش رئيس قسم الإطفاء والإنقاذ في جهاز الدفاع المدني بمدينة غزة، النقيب مصطفى حمدان، حريق عائلة المصري، ويروي لـ "العربي الجديد": "عندما وصلنا إلى المكان كان الحريق مستعراً، ولكون حريق كبيراً، طلبنا المساندة من جهاز الدفاع المدني شمالي القطاع، وزودتنا بلدية غزة بصهريج مياه، ومع نفاد المياه من سيارة الإطفاء، غادرت المكان، وكنت على متنها، وقمنا بتعبئة المياه من محطة مياه تقع بشارع الصحابة في حي الدرج، ثم عدنا، وكانت سيارة البلدية قد وصلت، وكذا سيارة إطفاء من شمالي القطاع".

ورغم أن حمدان كان على رأس فريقه في معظم الحرائق التي شهدتها مدينة غزة طوال حرب الإبادة، فإن مشهد احتراق أطفال عائلة المصري كان صادماً بالنسبة له، إذ لم يشاهد من قبل ذوبان الأجساد من أثر النار، ويحكي بملامح يثقلها القهر: "كنت أمسك خرطوم المياه أثناء محاولات إخماد النار، فتعثرت بشيء، وحين رفعته اكتشفت أنه بقايا جسد طفل محترق لم يتبق منه سوى عظام القفص الصدري والعمود الفقري. كانت الجثامين التي انتشلناها مشتعلة، واضطررنا إلى تبريدها قبل وضعها بالأكفان. لن أنسى هذا المشهد طوال حياتي، فهو أقسى مشهد رأيته منذ بدء حرب الإبادة".

ويضيف حمدان: "نمتلك حالياً مركبة إطفاء واحدة بمدينة غزة، بعد خروج سيارة الإطفاء الأخرى عن الخدمة بسبب شح الزيوت والحاجة إلى الصيانة، ونعاني من مشكلة إضافية تتمثل في عدم توفر معدات الحماية الشخصية لطواقم الدفاع المدني، ومن بينها الخوذة التي تحميهم من الحجارة المتساقطة، والسترة الواقية من لهيب الحريق. في بعض المهمات، وبسبب تعطل المركبة، يضطر الطاقم إلى ترك السيارة والذهاب إلى مكان الحادث ركضاً".

 

بدوره، يقول مسؤول تحقيق الحرائق في إدارة الإطفاء بجهاز الدفاع المدني، كامل الشوبكي، إن "مركبة الإطفاء الوحيدة المتوفرة بمدينة غزة تتعامل بشكل شبه يومي مع عدة أحداث، وعادة ما يصل العناصر إشارة لوقوع حدث جديد قبل أن ينهوا العمل بالمكان الذي كانوا فيه". ويوضح لـ "العربي الجديد": "لدينا صهريج واحد متهالك، وهو خارج عن الخدمة، ما يضطر الدفاع المدني للاستعانة بصهريج الصرف الصحي التابع للبلدية، لكن تواجهنا مشكلة أن البلدية ينتهي عملها عند الساعة الثانية ظهراً، ما يصعب الاستعانة بالصهريج في ساعات الليل أو عند الفجر، ما يضطرنا إلى الاستعانة بصهاريج محطات المياه، أو الصهاريج الخاصة، والجميع يبادرون إلى المساعدة في جهود الإطفاء رغم أنهم غير ملزمين بهذه المهمات".

يضيف الشوبكي: "تفاقمت أزمة جهاز الدفاع المدني في مدينة غزة وشمالي القطاع بعد تعطل مركبتي الإطفاء في الشمال نتيجة غياب الإطارات والزيوت، وتبلغ كلفة لتر الزيت الواحد 2500 شيقل، وتحتاج المركبة الواحدة إلى 16 لتراً لتشغيل الموتور. من بين 34 مركبة إطفاء كان يملكها الدفاع المدني على مستوى قطاع غزة، تبقت سبع سيارات إطفاء فقط، ما يصعب التعامل مع مختلف المهام الميدانية". ويتابع: "دمر الاحتلال 41 مركبة تابعة لجهاز الدفاع المدني في مدينة غزة، من بينها 12 مركبة إطفاء، ومركبتا تدخل سريع، وأربعة صهاريج مياه، ومركبتا سلم هيدروليكي، وثماني مركبات إسعاف، و13 مركبة عمل إداري. وتواجه مركبات الإسعاف المشكلة ذاتها، فالكثير منها خرج عن الخدمة لحاجته إلى الإطارات، أو لوجود مشكلة صيانة، بينما لا تتوفر قطع الغيار أو الزيوت داخل القطاع".

صعوبات متعددة نتيجة شحّ الإطارات

داخل المحطة المركزية للإسعاف والطوارئ الواقعة وسط مدينة غزة، تتوقف نحو 18 مركبة إسعاف، يكسو الغبار معظمها، وعلى واجهتها الزجاجية ملصق كتبت عليه عبارة "خارج الخدمة"، وحين التدقيق يسهل اكتشاف تلف الإطارات، حتى أن بعضها جرى سحب إطار أو اثنين منها لتركيبها في مركبة إسعاف أخرى. من بين هذه المركبات الثماني عشرة هناك مركبتا إسعاف فقط صالحتان للعمل، وهما مسؤولتان عن التعامل مع جميع الأحداث الميدانية، كما أن إحداهما تعطل جهاز الصوت "السرينة" بها، والذي يميز سيارة الإسعاف عن غيرها.

كان مدير قسم الإسعاف والطوارئ بالمستشفى العربي المعمداني، عز الرفاعي، موجوداً في المحطة المركزية، محاولاً الحصول على إطار من إحدى المركبات المتوقفة، لاستبدال إطار سيارة إسعاف كانت متوجهة من المستشفى المعمداني إلى مستشفى الشفاء لنقل حالة مرضية. يقول الرفاعي لـ "العربي الجديد"، إنهم يواجهون صعوبات متعددة نتيجة شح إطارات السيارات، وإن ذلك قائم منذ مدة طويلة، ورغم مناشدة جميع الجهات المحلية والدولية لتوفير الإطارات وغيرها من قطع الغيار الأساسية، لم يصل شيء، ما يؤثر على الاستجابة للطوارئ، ونقل المرضى بين المستشفيات.

في زاوية أخرى داخل المحطة، كان رئيس قسم الصيانة، طلال طه، يشرف على تشغيل مركبة إسعاف، ويقول لـ"العربي الجديد": "مشكلة الإطارات إحدى أكثر المشكلات التي تواجهنا، فإطارات كثيرة قديمة، وأصبحت غالبيتها تالفة، خاصة أن شوارع غزة المدمرة لا تسمح بمرونة الحركة. قبل عدة أيام، توقفت مركبة إسعاف بسبب ثقب الإطار أثناء نقلها طفلاً من مستشفى الحلو إلى غرفة العناية المكثفة بمستشفى القدس الواقع جنوب مدينة غزة، وجرت الاستعانة بمركبة إسعاف أخرى لنقل الطفل، وهذه المشكلة متكررة".

ويشير طه إلى أن "المحطة لم تستطع التعامل مع حدثين وقعا في وقت متزامن أخيراً، نتيجة قلة عدد المركبات، واضطر الفريق إلى التوجه بالمركبة للتعامل مع حدث منهما، ثم التوجه لاحقاً إلى مكان الحدث الثاني. لدينا تنسيق كامل مع مقدمي خدمات الإسعاف الآخرين، ونطلب أحياناً منهم الانتقال للتعامل مع الأحداث".

تحديات الاستجابة للأحداث الميدانية

بدوره، يؤكد مدير وحدة الإسعاف والطوارئ بوزارة الصحة، محمد أبو سمك، صعوبة الاستجابة لبعض الأحداث الميدانية، أو نقل المرضى بين المستشفيات نتيجة النقص الشديد في عدد سيارات الإسعاف العاملة، إذ لا يتجاوز عدد سيارات الإسعاف العاملة بوزارة الصحة 26 مركبة، وهي تعمل على مدار 24 ساعة بالسولار، إضافة إلى 14 مركبة إسعاف تعمل بشكل جزئي بالبنزين الذي تواجه الوزارة شحاً كبيراً في توفيره.

ويوضح أبو سمك لـ "العربي الجديد" أن "37 مركبة إسعاف خرجت عن الخدمة بسبب احتياجها إلى قطع غيار أو صيانة أو إطارات، إضافة إلى 39 مركبة إسعاف دمرها الاحتلال بشكل مباشر منذ بداية حرب الإبادة. عدد مركبات الإسعاف العاملة قليل للغاية مقارنة بحجم المهام التي تتولاها وحدة الإسعاف والطوارئ، إذ نتولى نحو 1500 مهمة عمل أسبوعياً، فضلاً عن تهالك جميع المركبات نتيجة عملها المستمر، ويتكرر توقفها أثناء نقل المصابين من الميدان، أو نقل المرضى بين المستشفيات، خصوصاً بسبب تلف الإطارات الذي بات يؤدي إلى خروج المركبة عن الخدمة".

ويتابع: "تتوقف المركبات عن الخدمة بشكل شبه يومي نتيجة عدم توفر قطع الغيار اللازمة، وعدم توفر الزيوت والبطاريات والإطارات. وصلنا إلى مرحلة القيام بتجميع قطع الغيار من المركبات المدمرة، ومحاولة إصلاح وصيانة المركبات الأفضل حالاً للحفاظ على استمرار الخدمة. لكن بقاء الوضع على هذا الحال، واستمرار منع إدخال الإطارات وقطع الغيار سيؤدي إلى شلل شامل في منظومة الإسعاف، ونعيد مناشدة المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية العمل على إدخال قطع الغيار اللازمة وتوفير مركبات جديدة".