منصور عباس أراد إحراج نتنياهو… لكنه أبقى خيار دعمه مفتوحا!

منصور عباس أراد إحراج نتنياهو… لكنه أبقى خيار دعمه مفتوحا!

زمن برس، فلسطين:  أجرت القناة 12 الإسرائيلية مقابلة مطولة مع رئيس القائمة الموحدة (الحركة الإسلامية الجنوبية)، منصور عباس، ونشرتها، مساء أمس السبت، أراد منها الكشف عن اتصالاته ومفاوضاته مع بنيامين نتنياهو ومستشاريه بعد انتخابات الكنيست في العام 2019 واستعداد عباس الدخول في ائتلاف حكومي برئاسة نتنياهو، وذلك في سياق الرد على الحملة التي يشنها الليكود واليمين على منافسه نفتالي بنييت بأن في حال فوزه فإنه سيؤلف حكومة تعتمد على أصوات الأحزاب العربية، وتحديدا القائمة الموحدة.

ورغم أن بينيت صرح مرارا في الأسابيع الأخيرة بأنه لن يؤلف حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، لكن مصادر سياسية مطلعة ترى أن مقابلة عباس جرت بالتنسيق مع مقر ومستشاري ومقربين من بينيت، أرادوا أن يقوم عباس بـ"توريط وفضح" نتنياهو بأنه كان على استعداد لضم حركة إسلامية لائتلافه الحكومي - ولم يحصل ذلك في النهاية بسبب معارضة سموتريتش الحازمة - إلا أنه خرج منها بتصريح بأنه لا يقطع الاتصالات مع الليكود ونتنياهو أو أي جهة أخرى على استعداد لمفاوضاته بعد الانتخابات المقبلة.

وفي السياق ذاته، صرح عباس أنه قد ينقض الوثيقة التي وقع عليها بشأن تشكيل القائمة المشتركة في سخنين، إذا ما قدّر بأن تشكيل القائمة المشتركة قد يُقلل من فرص تأليف بينيت الحكومة المقبلة، ويفضل حينها خوض الانتخابات بقائمة منفصلة عن المشتركة.

وحاول عباس تبرير استعداده للتفاوض مع نتنياهو في السنوات الأخيرة وحتى بعد الانتخابات المقبلة، بأنه تلقى توجهات من أطراف إقليمية عربية تدعم تحالفه مع نتنياهو على اعتبار أنه "لا يشن الحروب".

وردا على سؤال إذا ما كان يلغي إمكانية التفاوض مع جهة محددة أم على استعداد للتفاوض مع كل الأطراف بما فيها الليكود، قال عباس "أنا ضد إلغاء الآخرين مبدئيا".

وفي ما يتعلق بإمكانية التفاوض مع بنيامين نتنياهو بعد الانتخابات المقبلة أم أن "هذا الطريق بات مغلقا بوجهه"؛ أجاب عباس إن "أحد الأمور التي تجعلني متفائلا من خلال معرفتي بالساحة السياسية الإسرائيلية بأنها متغيرة جدا وبراغماتية…. يقولون اليوم أمورا وغدا يفعلون أمورا مغايرة"، في إشارة إلى أن الليكود قد يغير من موقفه تجاه عباس وتغير موقفه هو من المشاركة في ائتلاف حكومي برئاسة نتنياهو، إذ أبقى كافة الخيارات مفتوحة بحجة أن الساحة السياسية متقلبة.

وأضاف: "تخيلي، من كان يظن أن القائمة الموحدة ستجري مفاوضات ائتلافية مع الليكود، منذ ولايتي الأولى في الكنيست، في العام 2019، حتى قبل تشكيل حكومة التغيير (برئاسة بينيت)، قبلها بعامين".

وأوضح أنه "دعيت مرة واحدة إلى قيسارية (حيث منزل نتنياهو الخاص)، ولكن ذلك لم يحصل، وحصل اللقاء في اليوم التالي في بلفور (مقر إقامة نتنياهو الرسمي). كانت هناك محادثات هاتفية لا تحصى…".

وعن لقاءاته ومفاوضاته مع نتنياهو، وردا على سؤال إذا ما رأى به شريكا خلال المحادثات، قال: "لا شك بأنني كنت متأكدا من أنه شريك".

وردا على سؤال بأن نتنياهو يهاجم بينيت بأنه على استعداد "للتحالف مع الإخوان المسلمين"، وأنه "لا يمكن التعاون مع الموحدة"، اعتبر عباس أن هذه مجرد أقوال وأن هذه المواقف قد تتبدل؛ وأضاف أن هذه التصريحات "هي مصلحة سياسية، وإن احتاجني بعد الانتخابات سوف يتوجه إلي… أنا متأكد من ذلك. سوف يتوجه إلي ويفعل كل شيء ليبقى في الحكومة لعشرين عاما قادمة".

وإن كان مستعدا لمفاوضة نتنياهو بعد الانتخابات، قال عباس "لن أقول لأي أحد بألا يتصل بي".

وقال: "أريد أن تتشكل حكومة تغيير جديدة في إسرائيل، هذه الأولوية؛ وإذا لا، على الأقل أن تتشكل حكومة وحدة (قومية) لا تلغينا (الموحدة)".

وقالت المحاورة لعباس: "أنظر إلى أين وصلت بك الأمور، حتى الأحزاب التي لا تتجاوز نسبة الحسم في الانتخابات لا تريدك، يعتقدون أن ذلك (رفضها لك) سيجعلها فوق نسبة الحسم، غانتس مثلا، عندما ترى مثل هذه الحملات، هل (تشعر) بالغضب والمهانة والذل؟". أجاب عباس: "لا شيء من هذا. لا توجد لدي توقعات (منهم)".

تجنيد العرب للخدمة الأمنية

وعندما سئل إنه إذا كان شريكا بائتلاف حكومي "وتقدم ليبرمان بمشروع لتجنيد الجميع (للخدمة العسكرية) أو الخدمة المدنية للجميع، لكل شاب وشابة فوق سن 18 عاما؟"؛ قال عباس إنه "علينا كعرب دعم مخطط للخدمة (العسكرية أو المدنية)، خدمة تجيب من جهة على متطلبات المجتمع العربي، وعلى التوقعات العامة في المجتمع الإسرائيلي"، وأنه "لن نكون بموقف بأن سنموت ولن نخدم"، وهو الموقف الذي تطرحه الأحزاب الحريدية التي ترفض تجنيد طلاب المعاهد الدينية اليهودية.

خطاب مأزوم ويائس

قدرت مصادر سياسية أن مقابلة عباس "هي خطاب يائس، إذ تظهر استطلاعات الرأي في الأسابيع الأخيرة أن عدد مقاعد قائمته في انتخابات مقبلة لن يرتفع، وأن خطابه لم يتوسع في المجتمع العربي ووصل حدا لم ينجح عباس في تجاوزه، بل أن استطلاعات الرأي تظهر تراجعا في قوته بحيث يحصل على 4 مقاعد فقط في استطلاعات رأي مختلفة، وهو الحد الأدنى لتجاوز نسبة الحسم. كان يبني خطابه للناخب العربي بأنه مختلف عن الأحزاب العربية الأخرى، بأنه ليس في جيب أحد، لكن الآن لا أحد يريده، لا بينيت ولا غانتس ولا نتنياهو".

وصرح عباس بنفسه خلال المقابلة بأنه في حال لم ينجح في الانخراط في ائتلاف حكومي بعد الانتخابات المقبلة، فإنه سيتنحى من منصبه لأنه "يشعر بأنه استنفد نفسه" في هذا المجال، حسب تعبيره.

كما ذُكر، حاول عباس خلال السنوات الأخيرة التمايز عن باقي الأحزاب العربية بأنه على استعداد للدخول بأي ائتلاف حكومي حتى ائتلاف يمين قومي استيطاني متطرف، فبعدما رفض شموتريتش دخوله للائتلاف الحكومي، بات مؤخرا "معسكر التغيير" الذي يقوده بينيت يعلن مرارا وتكرارا بأنه لن يؤلف حكومة، خصوصا بعد السابع من أكتوبر 2023، تستند إلى دعم القائمة الموحدة برئاسة عباس.

راهن عباس كما قال على "مرونة وبراغماتية الساحة السياسية الإسرائيلية"، ولم يلتزم بأي خطوط حمراء، لكنه رهانه هذا سقط خصوصا بعد السابع من أكتوبر، وبات حليفه بينيت يضع الخطوط الحمراء برفض الاستناد إلى دعم عباس في أي ائتلاف حكومي قادم، وسبقه إلى ذلك سموتريتش، أي ما يجعل ذلك مستحيلا على نتنياهو بأن يتوجه لائتلاف حكومي يعتمد على منصور عباس.

عكست المقابلة عجزا عند عباس في فهم المجتمع والسياسة الإسرائيليين، خصوصا ما بعد السابع من أكتوبر، ويبدو أن هذه المقابلة كانت محاولة لإطلاق رصاصة في البرية - رصاصة أخيرة أو ما قبلها - تحاول إنعاش فرصه لدى المعسكرين الإسرائيليين ولدى الناخب العربي، بأنه على استعداد لدخول أي ائتلاف دون شرط أو قيد، لكن الواقع أنه بات غير مقبول لدى أي من المعسكرين، خصوصا بعد تصريحات بينيت.

مقابلة تعكس خطابا يائسا ومأزوما، بشر بالنهاية بإمكانية تنحيه من الكنيست، كما قال، فهو مرفوض من المعسكرين، إذ ترجح التقديرات الإسرائيلية أن تتشكل حكومة وحدة قومية ما بين بينيت والليكود، أي حكومة إجماع قومي من دون العرب.

أراد عباس من خلال المقابلة إقناع الناخب العربي بأن لا تصدقوا تصريحات نتنياهو وبينيت برفض الاعتماد على القائمة الموحدة، بأنها مناورات إعلامية انتخابية ستتغير ما بعد الانتخابات، لكن في الحقيقة هذا يعكس عدم استيعاب عباس للتغيرات التي مر بها المجتمع الإسرائيلي ما بعد السابع من أكتوبر ورفض أي تحالف يستند إلى العرب، أيا كانوا، فهو يعول على "مرونة وبراغماتية الساحة السياسية الإسرائيلية" كما قال، لكن هذه المرونة والبراغماتية تستثني العرب بعد السابع من أكتوبر.