روايات "الجمعة الأسود" في رفح تزيد الجرح عمقًا

عز الدين أبو عيشة
(خاص) زمن برس، فلسطين: تستحضر مُخيلة رفح عدوان صيف 2014 على غزة، لتمر بسكان المدينة ذاكرة اختراق الهدنة التي كانت مقررة لمدة 72 ساعة من صباح يوم الجمعة في السابع من أغسطس العام الماضي، ليحل مكانها أضخم مجزرة ارتكبت اثناء الحرب، حتى يتوحد الألم في كل مناطق القطاع وتسجل المعاناة في كل مكان، لتترك خلفها شهيد وجريح وبيت مدمر ومحلات تجارية عدة تم نسفها.
لعل أحداث مجزرة "يوم الجمعة الأسود" لم تفارق ذاكرة نساء رفح المحافظة الجنوبية لغزة التي ترتبط بالحدود الجغرافية مع الجمهورية المصرية ويوجد بها المعبر البري، لتعود بهم أحداث مفزعة حصلت صباح ذلك اليوم والتي تمثلت في قصف جوي ومدفعي وتقدم للقوات البرية لتقطع أوصال المدينة عن باقي القطاع.
تتجسد مجزرة "يوم الجمعة الأسود" في 454 شهيدًا من بينهم 363 مدنيًا و128 طفلاً و80 امرأة، فيما بلغ عدد مجمل الإصابات في المحافظة حوالي1,052 جريح، جلهم من المدنيين، كل ذلك كان نتيجة فقدان اتصال الاحتلال بالضابط هدار جولدن أحد جنوده في المنطقة.
ويشار إلى أن 112 شهيدًا سقطوا في اللحظات الأولى وما تبعه من تفجيرات متتالية وتحليق كثيف للطائرات وتقدم سريع لآليات الاحتلال، فيما سقط الباقي في اليوم الثاني والثالث لتلك الحادثة.
لا تزال آثار العدوان واضحة على ملامح المواطنين الأبرياء لتسترجع ذاكرتهم مجموعة من الصور التي وثقت أحداث الحرب وعنجهيتها، مؤكدةً لهم أنَّ العدوان سلب منهم حياتهم وأطفالهم، وآمالهم المرتبطة بالأمن والذي يشكل اليوم حلما كبيرًا بالنسبة للفلسطينيين.
السبعينية أم مصطفى الجزار من سكان منطقة الشوكة شرق المدينة، المسافة التي تفصلها عن معبر رفح البري أقل من كليو متر، قالت لـ "زمن برس" والدموع تنهمر من عيونها: "كان المشهد مرعبًا، فأشلاء ودماء الشهداء في كل مكان والجرحى يصرخون بلا مغيث، وسيارات الإسعاف عجزت عن الوصول لموقع الحدث نتيجةً لشدة القصف واعلان المنطقة عسكرية مغلقة".
وتصف الدمار الذي حل بمنطقتها بصوت شاحب: "كل شيء أصابه الدمار وركام المنازل متناثر على الطريق ودخان المحلات التجارية المحروقة يتصاعد من ثغرات الحطام".
ويذكر أنه دمر خلال هذه المجزرة المركز التجاري الوحيد بعمارة زعرب في رفح والذي يعد عصب الحياة الاقتصادية فيها.
وتسترسل الجزار والدموع ترتسم على وجهها "تطايرت أشلاء الشهداء مسافة تزيد عن 200 متر، وقتل معظمهم وجرح البقية، ولم يجد الأطفال من يحضنهم ليشعرهم بالأمن الذي يحتاجونه، كما فقدت النساء سندها من الرجال".
ولا تنسَ العجوز النازحين الذي كان عددهم آنذاك يفوق 70 نازحًا، يركضون وكأن الأية الربانية "وترى الناس سكارى وما هم بسكارى" قد حلت.
ويشار إلى أن نحو 50 ألف مواطن نزحوا من رفح أثناء العدوان إلى مراكز الإيواء التي افتتحتها وكالة الغوث الدولية.
سكان حي التنور شرق رفح، تحدثوا كثيرًا، عن الموت الذي أوقعته الطائرات فيهم في ظل استمرار انقطاع التيار الكهربائي عن المنطقة بشكل كامل.
وشرحت المواطنة أم معتصم عواجة (62 عامًا) من حي التنور ما حصل وعيونها تحولت لحمراء من كثرة الدموع المحبوسة فيها "الجميع تفاجأ بتقدم الآليات حوالي 2 كيلو ونصف، حتى اعتلى الجنود بعض المنازل، عندما دخلت الساعة الثامنة، القصف لم يهدأ، الساعة التاسعة تقريبًا بدأت المجزرة، المواطنون شرق رفح بدأوا بالنزوح من بيوتهم، والصواريخ تنهال عليهم".
وتحدثت عواجة عن احساسها حينها وهي تستجمع بشفاهها بعض الحروف: "مشاعري حينها كانت متضاربة بين الأخبار التي تصلنا عن بسالة المقاومة وعدد الشهداء".
وتتابع وهي تدير وجهها على تلك المنطقة التي بها المستشفى: "أُغلق المشفى الوحيد في رفح بأمر من جيش الاحتلال، ولم يعد فيهنا مرفق طبي! ذهبنا بالجرحى إلى أماكن أشبه بكونها مرافق، منها كانت عيادة توليد نساء".
ووفقًا لإحصائيات وزارة الأشغال العامة فقد بلغ عدد المنازل المدمرة كليًا حوالي 900 منزل، وأخرى جزئيًا وغير صالحة للسكن قرابة 700 وحدة سكنية، والمدمرة جزئي وصالحة لسكن بلفت 5000 بيتا.
وحول تلك الأيام، ذكرت المواطنة أم حسن عبيد (45 عامًا) من سكان الحي السعودي غرب المدينة؛ تفاصيل صادمة عن مشاهد قاسية شاهدتها خلال هروبها من المنطقة، ورؤيتها الدماء تتناثر في كل البقاع.
واستطردت عبيد: "كان القتل يحدث بدم بارد وتعمد واضح، فالضحايا معظمهم مدنيون كانت الطائرات تصطادهم بصواريخها الضخمة، بينما القذائف العمياء تقتل وتصيب المواطنين الذين يتواجدون في الشوارع".
ومن الجدير ذكره أن الاحتلال ارتكب 38 مجزرة بحق العائلات الفلسطينية، تراوح عدد شهداء تلك المذابح ما بين 3 إلى 19 من نفس العائلة، على غرار الابادات الجماعية.
وأردفت ام حسن: "بينما كنت أجري مسرعةً وأردد الشهادة، كنت أقفز عن جثث وأشلاء ملقاة على الأرض، لم أستطع أن أراعي أطفالي فالخطر كان يلاحقني، ما دفعني إلى رفع الراية البيضاء لأذهب لإحضار أبنائي".




