القاتل النرويج و"بارانويا" دامية

استَمعت محكمة نرويجية، يوم الإثنين الماضي، الى تعليلات القاتل الإرهابي المعتوه، أنديرس بريفيك، الذي اقترف قبل نحو عام، مذبحة راح ضحيتها 77 إنساناً، معظمهم من الفتية اليافعين من بني وطنه. وقد استندت تبريرات بريفيك ( 33 سنة) الى مشاعر الكراهية للمسلمين، والى عاطفة الحب العميق، لأقصى اليمين الوطني الفاشي، وللصهيونية (حسب "جيروزاليم بوست" بعد الجريمة المروعة). سأله القاضي: هل تتذكر أنك مررت بتجارب معينة، استحثت في داخلك كل هذه الكراهية للمسلمين، لدرجة أنك تدعو الهند البعيدة، الى طرد مواطنيها المسلمين؟! أجاب: "عندما كنت في سن السابعة، قام رجل تركي، هو والد صديقي وزميلي في المدرسة، بتحطيم دراجتي، وزاد الطين بِلة، عندما صفعني رجل باكستاني، كان سائقاً لعربة أنفاق، لمجرد أنني تسلقت العربة، وظللت متعلقاً خارجها وهي تعبر النفق"!
دس رأسه في كراس فيه ابتهالات مكتوبة بخط اليد، يقرأ منه متشبهاً بالمتطرفين اليهود عند حائط البراق، عندما يرسمون على سحناتهم علامات التقوى، ويهزون رؤوسهم وذقونهم، كأنهم يذوبون في فكرة العدالة. ولما عقّب القاضي على كلامه، بأن واقعة الطفولة والدراجة، لا بد أن تكون لها ملابسات أخرى، أما واقعة الصفعة فربما كانت حرصاً على حياته في حال مخالفة قواعد السلامة في عربة الأنفاق؛ وجد القاتل نفسه مضطراً للاستزادة من الأسباب والوقائع فقال:"في العام 1995 تعرّض صديق حميم لي، للتهديد من أحد مسلمي كوسوفو الألبان، اثناء الوقوف في انتظار التُرام. وسمعت أن شقيقة صديق آخر، جُرحت بآلة حادة، من أحد الناس، وعلى الرغم من أن الحادثة كانت غامضة، إلا أن الاشتباه تركز على المسلمين"! سأله القاضي:" ألم تمر طوال حياتك بتجربة طيبة مع مسلمين، كانوا فيها إيجابيين؟".
رد المعتوه: "هناك شىء واحد طيب لدى المسلمين لا أنكره، وهو أنهم أوفياء جداً ومخلصين"! في السياق، نوّه القاتل الى أن أحداثاً عنصرية وقعت ضد نرويجيين من أصول أجنبية، لقيت استنكاراً شديداً من المجتمع النرويجي، وحاول مجهولون تضليل الشرطة عبر مكالمات هاتفية، واتهموا الجناح اليميني المتطرف، فبدأت حملة ضارية على هذا اليمين العنصري. أحد الضحايا، وهو صبي في الخامسة عشر اسمه بنيامين هيرمانسين، حظي بتعاطف عالمي حتى أن مغني البوب الراحل مايكل جاكسون، خصص له ألبومه الغنائي "لَن يُغلب الفتى" The Invincible Boy. وقال بريفيك ما معناه، أن تلك كانت مظلمة، تعرض لها اليمينيون العنصريون بسبب الأجانب!
* * *
على قاعدة ذلك الهذيان، أقدم بريفيك على تفجير قنابل في بنايات حكومية في أوسلو فقتل ثمانية مواطنين نرويجيين، ثم انتقل الى جزيرة أوتويا، وقصد موقعاً لمعسكر شبابي تابع لحزب العمال، ففتح النار على المتواجدين من الشبان والشابات، متعمداً أن "يُلقن هذا الحزب درساً" لكي يكف عن الترحيب بالمهاجرين الاجانب! نفسية الإرهابي النرويجي، أنموذج لكل نفسيات مقترفي القتل بالجملة. وبدت إشادته أمام المحكمة، بإخلاص المسلمين، شبيهة بإشادة بشار الاسد بالشعب السوري. ومقترفو القتل بالجملة، هم في جزء من دوافعهم، مرضى بجنون مزدوج من الشعور بالعظمة والاضطهاد Paranoia مسكونون بمشاعر المظلومية، وبأن الآخرين معتدون. هناك بعض المصابين بالبارانويا، لا يجرؤون على القتل، لكنهم يعذبون من يعمل معهم أو يعايش أوقاتهم. أما البعض القاتل، فليكفنا الله شرّة. فإن كانت مظلمة الدراجة، ونبأ غير مؤكد عن جرح شقيقة صديق بآلة حادة في يد مجهول، دفعت معتوهاً ترويجياً الى قتل 77 إنساناً، فما الذي سيفعله في بلادنا العربية طرفان: الحاكم الذي يظن أنه امتلك البلاد والعباد، ويرى أن الآخرين يعتدون على حقوقه، وأبناء وأشقاء الضحايا الذين يُذبحون ويُحرقون وتُدمر بيوتهم لا دراجاتهم؟!
فمن شأن الأحداث أن تأخذ الطرفين الى البارانويا. الطرف الحاكم يذهب اليها طوعاً. كلاهما "عظيمان مظلومان" في واقع الإصابة بالمرض المتفشي، وكلاهما مستعدان للقتل، بينما قاضي التاريخ، بحضور النفسانيين، هو الذي يحكم أيهما الذي كان يقتل ظلماً وترفاً، وأيهما الذي كان يقتل اضطراراً ومرضاً أفشاه القتل الظالم!




