عام على ثورة السوريين

بدون عواطف أو مبالغات، في وسع واحدنا أن يجزم، بأن ثورة السوريين، تدخل عامها الثاني محمّلة بعناصر انتصارها المؤزر، بصرف النظر عن الزحف العسكري الانتقامي المُريع، بكل أنواع الأسلحة، ودونما وازع أو كابح، على حمص ومحيطها وحماة ودير الزور ودرعا وريف دمشق واللاذقية وسواها. فما حصل عليه النظام، وما سيحصل عليه، من خلال زحفه الوحشي وتداعياته، وبما ألحقه بالناس من موت وتدمير وحرق؛ لم يوفر له مبتغاه، وهو دفن الحراك الشعبي في كل أرجاء سوريا، وانفتاح الأفق الى عودة له، آمنة، لوضعية الاستبداد والصمت الشعبي الناتج عن إعادة غرس الخوف في نفوس السوريين. فلا مجال بتاتاً، لاستنساح الماضي الثقيل، في المستقبل. ولعل ما جرى في الأسبوعين الأخيرين، من نجاح النظام بقوات جيشه النظامي، في سترجاع سيطرته على مدن ومناطق خرجت عن طوعه؛ هو الأمر المتوقع، إذ لا مجال للمقارنة بين جيش مدجج بوسائل الحرب، وجنود خرجوا من صفوفه رافضين قتل شعبهم. لكن النقطة الأهم، في هكذا تطورات، أن منسوب الغضب الشعبي ووقائع التظاهر رفضاً للنظام وطلباً لإسقاطة، لم ينخفض بشكل طردي أو عكسي، مع بشاعة الزحف وإجرامه، ما يعني أن ظاهرة وجود مجموعات مسلحة منشقة عن الجيش، وهي التي نشأت كرد فعل على قسوة التعامل في بدايات الثورة مع المتظاهرين سلماً؛ ليست هي الثورة، وإن كان من المأمول منها أن تساعد في كبح جماح النظام وحماية المتظاهرين. وعلى الرغم من سياسة الأرض المحروقة، تطبيقاً لشعار إما الأسد أو الجحيم الشامل؛ فإن ثورة السوريين بدت عصية على كل وسائل قمعها، وقد فشل المستبدون، بالجيش وبالأجهزة الأمنية وبالشبيحة وبالدسائس وبتأجيج النعرات الطائفية وبإقحام "القاعدة" في روايتهم الدعائية؛ في تضييق مساحات التظاهر السلمي ضد بقاء النظام!
فعندما يرضى نظام، أن يندفع الى اقتراف الجرائم دون حدود، بصرف النظر عن التبعات؛ يكون حَكَم على نفسه بالهزيمة آجلاً أم عاجلاً، إذ يوفر لمن يطالبون بإسقاطه، مواد تحريضيّة، موثقة بالصوت والصورة، تساعد في حث الشعب على الاستمرار في الثورة، والبقاء في نقطة اللاعودة حتى انهيار هذا النظام.
كثيرون يتساءلون عن سر هذه الدرجة من تماسك الجيش والسلك الديبلوماسي. وفي الحقيقة، هذا أمر طبيعي بالنسبة لنظام يقترن في سلوكه الفساد مع الاستبداد. فالرؤوس الكبيرة المتنفذة، على صعيدي الجيش والعسكر، لها في أدراج النظام ملفات فضائحية شائنة، سيعرضها النظام على الملأ في حال الانشقاق، ومن بين حيثيات هذه الملفات، ما يؤلب الثائرين على أصحابها إن انشقوا بفعل صحوة ضمير لا يصحو. وسيكون هؤلاء في منطقة التعرض للانتقام من طرفي الصراع. فعبد الحليم خدام، على الرغم من خطابه الحاد المعارض، ما زال مرفوضاً من الثورة، وسيكون عُرضة للمساءلة في حال انتصرت الثورة بوسائل الاحتجاج الشعبي، لذا نراه أول الداعين الى تدخل عسكري دولي، قد يسهم هو في التعاون معه، كأحد أبرز العرّابين، لتأمين خط العودة الى سوريا المتحررة من عبوديتها للنظام. إن هذا هو الذي يفسر امتثال وصمت العاملين مع بشار الأسد، في مواقع تنفيذية مهمة!
اليوم بات النظام معزولاً، لا يُصدَّق له قول، ولا يؤخذ منه رأي، لدرجة أن ثرثراته عن خطوات إصلاحية، هي مجرد كلام مرسل لحلفائه الروس دون غيرهم، فيما هم يتولون أمره على الصعيد الدولي، وربما هم الذين سيقررون شكل الفصل الختامي من الصراع، بالاتفاق مع الأمريكيين.
وبخلاف مزاعم النظام عن "مؤامرة" من أعداء الأمة، يتبين المراقبون من سياق الأحداث، أن الدعم الحقيقي والمؤثر، بطريقة أو بأخرى، هو الدعم الأجنبي للنظام، إن كان على مستوى الداعمين الصرحاء، أو الداعمين بالحيلة كالأمريكيين ومعظم الأوروبيين وإسرائيل. في هذه الأخيرة، لا يستطيع أي كان، أن يدلنا على ردة فعل إسرائيلية واحدة، أو كلمة، تعكس ترحيب الإسرائيليين بثورة السوريين أو التلميح بأنها تناسبهم. وحدهم الناعقون العرب عبر الفضائية السورية، المتمولون من إيران؛ هم الذين يتحدثون عن "مؤامرة" تلبي رغبات إسرائيل!
النظام السوري مندحر لا محالة، وإن ظل حتى الآن ماكثاً بخلاف توقعات كثيرين بسقوط سريع. أما المؤامرة الحقيقية، فإن خيوطها تتضح عندما يتحدث الأمريكيون عن تسليح الجيش الحر، كمعادل موضوعي لتسليح "القاعدة" وعندما يؤكد كوفي عنان، على رفضه لتسليح الثورة، ضد آلة النظام العسكرية المنفلتة، وعندما يتحدث الأوروبيون عن وضع معقد. إن عامل التعقيد في ناظر الجميع، هو العامل الإسرائيلي وحده!
مضى عام على ثورة لن يكون قدرها إلا أن تنتصر. فهي غالبة قبل أن تنتصر، لأنها أولاً وأخيراً ثورة شعب أبى إلا أن ينعتق!




