التهاب السحايا يداهم غزة... مئات الأطفال المصابين

زمن برس، فلسطين: تشهد مستشفيات قطاع غزة وصول أعداد كبيرة من الأطفال المصابين بالتهاب السحايا، رغم أنّ المرض موسمه الاعتيادي هو فصل الصيف، ويتراجع مع حلول فصل الخريف، لكنّ الأوضاع المعيشية المتردية في أنحاء القطاع، وعلى رأسها ضعف التغذية والتلوث البيئي والعيش في الخيام، تؤدي إلى انتشاره مع غيره من الأمراض المعدية.
تسجل مستشفيات الأطفال في قطاع غزة زيادة ملحوظة في معدلات إصابة الأطفال بمرض الحمى الشوكية المعروف شعبياً باسم "التهاب السحايا"، رغم أنّ هذا ليس موسم انتشار المرض المتعارف عليه، إذ ينتشر عادة خلال فصل الصيف، لكن امتداد موجة الحر بالتزامن مع العيش في الخيام والبيئة الملوثة، وقلة المناعة الناتجة عن سوء التغذية تمثل أبرز أسباب الإصابات المتزايدة التي تقلق الطواقم الطبية.
وأفادت إحصائية لدائرة نظم المعلومات بوزارة الصحة، بتسجيل نحو 100 إصابة شهرية بالتهاب السحايا الفيروسي، وتسجيل 1140 إصابة منذ بداية العام الحالي، بينما سجلت 295 إصابة بالتهاب السحايا البكتيري منذ بداية العام، وبلغ عدد الوفيات منذ بداية العام 11 وفاة بمتوسط وفاة واحدة شهرياً.
على أحد أسرّة العزل، يرقد الرضيع آسر محمد السنداوي (3 أشهر) كأحد أصعب الإصابات بالتهاب السحايا البكتيري، إذ أظهرت عينة فحص وجود 1200 خلية من كرات الدم البيضاء داخل سائل الدماغ الشوكي بالعمود الفقري. وتقول أمه التي عادت للتو من إجراء صورة للرأس على جهاز التصوير التلفزيوني (Ultrasound) لـ"العربي الجديد"، إنها شعرت ببعض الاطمئنان لخروج نتائج الدماغ سليمة.
وفيما بدأت حالة الطفل تتحسّن مع تلقيه المضادات الحيوية والمحاليل، على عكس حالته عند وصوله إلى المشفى، توضح أمه أن "الأعراض بدأت بارتفاع مفاجئ في درجة الحرارة، ورغم محاولاتي خفضها إلّا أن الحرارة كانت تعود إلى الارتفاع بين ساعة وأخرى، ما اضطرني إلى نقله إلى المشفى. البيئة التي نعيش فيها ملوثة بمياه الصرف الصحي، وأكوام القمامة في كل مكان، وربما هذا الموضوع هو سبب إصابته بالعدوى".
في نفس غرفة العزل، يعاني الرضيع رشدي بدوي (12 شهراً) منذ أسبوعَين من ارتفاع درجة الحرارة، وفيما كان يتقلب على السرير من الألم، تقول أمه لـ"العربي الجديد": "في بداية ارتفاع درجة حرارته كنّا نعطيه الأدوية الخافضة للحرارة، وبمجرد انتهاء مفعول الدواء كانت الحرارة تعود للارتفاع، واستمر ذلك لعدة أيام، وقد توجهت به إلى أكثر من عيادة، حتّى قرّروا أخذ عينة من النخاع، وأظهرت إصابته بالتهاب السحايا، إذ أظهرت العينة وجود 39 خلية تصنف كالتهاب فيروسي".
وتضيف الأم: "جئت بعد التشخيص إلى مستشفى الرنتيسي، ويتلقى طفلي علاجاً وريدياً كل ستّ ساعات، وحرارته ارتفعت اليوم رغم أني أعطيته خافضاً للحرارة، وتدخل الأطباء وأعطوه تحاميل خافضة. نعيش في خيمة، وفي محيطنا ينتشر الصرف الصحي، والحشرات والقوارض، والإصابة بالتهاب السحايا أثرت على حالة طفلي كثيراً، فبعدما كان يأكل ويشرب بشكل طبيعي، بات يبكي طوال الوقت، وحالياً يظهر عليه الهزال".
لم يمنع حصول الرضيع عاطف عامر (شهران) على حقنة التطعيم إصابته، والتي بدأت بارتفاع درجة الحرارة والإسهال، وتحكي والدته لـ"العربي الجديد"، بينما يتمدّد على سرير داخل غرفة العزل: "توجهنا إلى المشفى بعد أن فشلنا في خفض حرارته، وأظهرت النتائج إصابته بالتهاب السحايا، وهو الآن يخضع للمراقبة، ويتلقى المضادات الحيوية عن طريق الوريد. نعيش في خيمة يحيط بها الركام في مخيّم الشاطئ، وأعتقد أن ظروف الحياة هذه هي سبب انتقال العدوى إلى طفلي".
وبعد انتهاء فترة عزل الطفل المصاب بالتهاب السحايا، ينقل إلى صالة المبيت، كحال الطفلة وتين مهدي حرز (13 شهراً) والتي ارتفعت درجة حرارتها قبل قدومها إلى المشفى بخمسة أيام، وأظهرت عينة فحص النخاع إصابتها بالتهاب السحايا. يقول والدها لـ"العربي الجديد"، إن طفلته أمضت 24 ساعة في العزل، وبعد تلقي العلاج تحسنت حالتها، وبدأت الأكل والشرب.
من جانبه، يقول الحكيم أشرف أبو أمونة، والذي يعمل بقسم المبيت رقم "1" في مستشفى الرنتيسي للأطفال، إنّ الأمراض الموسمية كالتهاب السحايا والنزلات المعوية تتزايد الإصابة بها خلال شهرَي يوليو/تموز وأغسطس/آب، لكن استمرار ارتفاع درجة حرارة الجو حتى الوقت الحالي، والوضح المعيشي والبيئي الذي يتعرض له الناس، خصوصاً من سكان الخيام، أدى إلى استمرار تسجيل الإصابات حتّى الآن.
ويوضح أبو أمونة لـ"العربي الجديد" أنّ "تسجيل إصابات خلال شهرَي سبتمبر وأكتوبر أمر غير معتاد، وفي حال استمراره سيكون هناك علامات استفهام كبيرة، إذ يفترض أن ينتهي الموسم الحار مع تغيّر المناخ. مضاعفات التهاب السحايا خطيرة، وتحتاج إلى انتباه متواصل، وتركيز العلاج، ومتابعة دقيقة للمصابين، خاصة خلال أول 24 ساعة من دخول المريض إلى المستشفى".
ويقول طبيب الأطفال بمستشفى الرنتيسي، سعيد معروف، إنّ مرض الحمى الشوكية "السحايا" يصيب الغشاء أو القشرة الدماغية، وهو يصيب الصغار والكبار، وينتشر بسرعة كبيرة، وله ثلاثة أنواع معروفة هي الفيروسي والبكتيري والطفيلي، ويؤكد لـ"العربي الجديد"، أنّ "العدوى المنتشرة في الوقت الحالي هي في الأغلب من النوع البكتيري، نظراً لسوء الظروف المعيشية التي يعيشها أهل غزة، خصوصاً مع العيش في خيام لا تتوفر فيها متطلبات الوقاية من الأمراض، وتخلو من إجراءات النظافة، وفي ظل مياه ملوثة، وطعام غير صحي".
ويضيف معروف: "النوع الفيروسي من التهاب السحايا يصيب القشرة الدماغية، ولا يترك مضاعفات خطيرة، وعلاجه يجري خلال أربعة أيام تقريباً، أما النوع البكتيري فإنه يترك مضاعفات مؤلمة قد تصل إلى الإصابة بالتشنج، أو الشلل، أو فقدان السمع أو البصر، وهو يحتاج إلى فترة علاج طويلة، لكنّ أيّاً من هذه المضاعفات لم يمرّ بها الأطفال الذين يأتون إلى المشفى، وهم يغادرون المشفى بعد تعافيهم تماماً".
ويبين أنّ "المرض لا يظهر بالشكل التقليدي، فمعظم الأطفال يأتون مصابين بارتفاع درجة الحرارة والهزلان الشديد والإسهال والتقيؤ، وهو يصيب أطفالاً أعمارهم أقل من شهر واحد، وسبب زيادة الإصابات في غير الموسم يرجع إلى أنّ قطاع غزة يعيش أوضاعاً استثنائية تجعل تبدل الفصول وحده لا يحدّد توقيت انتشار الأمراض، فمعظم الناس يعيشون في خيام تفتقر لمتطلبات الحياة الصحية، وعلى رأسها النظافة، والتهاب السحايا يصيب الحنجرة والقصبة الهوائية والجهازَين البولي والهضمي، ونظراً لضعف المناعة، تنشط البكتيريا بقوة لتهاجم الدماغ".
ويلفت معروف إلى أنّ "الأطفال يحتاجون إلى فيتامينات وبروتينات وغذاء صحي ومقويات، وكلها غير متوفرة في غزة، وهذا يجعل مناعتهم ضعيفة، ما يجعلهم عرضة للإصابة بالأمراض، لكن ارتفاع الإصابات المقلق، والخوف من المضاعفات الخطيرة ليس قائماً حتى الآن. في الوقت ذاته، نعاني من نقص حاد في العلاج، وهناك شح في مضاد cefotaxime، وهو المضاد العلاجي الفاعل ضد المرض، ولا يؤدي البديل المتوفر Rocephen نفس النتائج".
بدوره، يؤكد رئيس قسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي في خانيونس، أحمد الفرا، تسجيل إصابة أو اثنتَين يومياً بالتهاب السحايا في قسم الحضانة، ونفس العدد تقريباً في قسم الأطفال. ويوضح لـ"العربي الجديد" أنه "على مدار العام الأخير، كان التهاب السحايا الفيروسي هو الأكثر انتشاراً، خصوصاً خلال فصل الصيف، وحالياً يعد التهاب السحايا البكتيري هو الأكثر انتشاراً، وذلك نتيجة مباشرة لأوضاع تشمل نقص التغذية، والازدحام، وتلوث المياه، وانتشار برك الصرف الصحي، وانعدام وسائل النظافة الشخصية، والالتصاق الحميمي بين الصغار والكبار، فضلاً عن ضعف المناعة المتفشي".
ويوضح أنّ "الخطير في التهاب السحايا أنه يصيب الأطفال الرضع، ويصاحبه حرارة مجهولة السبب، ويترافق معه تقيؤ، ويبدأ التشخيص بأخذ عينة من سائل الدماغ الشوكي من العمود الفقري، وإذا أظهرت الفحوص وجود كرات دم بيضاء أقل من 500 خلية تصنف الإصابة على أنها من النوع الفيروسي، وإذا كانت أكثر من 500 خلية تصنف على أنّها من النوع البكتيري. سجلنا لدى طفل وجود 30 ألف خلية، وهذا غير مسبوق، والاكتشاف المبكّر للإصابة يسهم في سرعة التعامل معها".


