4 بؤر استيطانية في الخليل: من الشرق إلى الجنوب والغرب

زمن برس، فلسطين: يتوسّع انتشار البؤر الاستيطانية في محافظة الخليل، جنوبي الضفة الغربية، في مناطق متفرقة من المحافظة، ولا سيما على امتداد جغرافي من جنوبها الشرقي إلى جنوبها الغربي، بين مدينتي يطا ودورا، حيث أقام المستوطنون أربع بؤر استيطانية على مئات الدونمات من الأراضي الفلسطينية الخاصة، في تحرّك تزامن مع الحصار الإسرائيلي الذي فرض على أحياء غرب الخليل واستمر عشرة أيام، منذ 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي حتى انتهى فجر أول من أمس الاثنين.
ويأتي إنشاء هذه البؤر الرعوية والزراعية ترجمةً عمليةً لإعلان المجلس الإقليمي لمستوطنات جبل الخليل، مساء السبت (24 أكتوبر/تشرين الأول الماضي)، أنه "تقرر إقامة 8 نقاط استيطانية جديدة"، ردّاً على ما وصفه المجلس بالعملية التي وقعت قبلها بيوم، حين نفّذ الشابان أحمد وحمود الجعبة، وهما قريبان، كميناً لجنود الاحتلال عند مدخل منطقة فرش الهوى شمال غرب الخليل، أعقبه اشتباك مسلح أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، قبل استشهاد المنفذين.
عزل وتقطيع أوصال في الخليل
ورغم أن المجلس الإقليمي لمستوطنات جبل الخليل نشر، عبر صفحته على "فيسبوك"، رابطاً لمنصة رسمية لجمع التبرعات المخصصة لإقامة هذه البؤر، فإن التحركات الميدانية لإنشائها كانت قد بدأت صباح الجمعة، يوم وقوع العملية، أي بعد ساعات قليلة من تنفيذها. وبحسب عضو دائرة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية في الخليل، محمد الدراويش، في حديث مع "العربي الجديد"، فقد أقام المستوطنون في ذلك الوقت بؤرة استيطانية على أراضٍ تابعة لبلدة الظاهرية، جنوبي الخليل، في منطقة "جويّ" الفاصلة بين البلدة وقرية بيت الروش الفوقا التابعة لمدينة دورا. وعلى الأرض، نصب المستوطنون عدة خيام في المنطقة، وأحضروا معدات للحفر وأدوات زراعية، ورفعوا الأعلام الإسرائيلية على تلال أراضي "جويّ"، وسط حماية مشددة من جنود الاحتلال.
مساحة الأراضي التي استولى عليها المستوطنون في المنطقة تقدر بنحو 400 دونم
ويقدّر الدراويش مساحة الأراضي التي استولى عليها المستوطنون في المنطقة بنحو 400 دونم، بذريعة تصنيفها "أراضي دولة"، وهو تصنيف تستخدمه سلطات الاحتلال للإشارة إلى الأراضي التي لا توجد لها قيود تسجيل ملكية في المؤسسات الرسمية الإسرائيلية، بما يتيح لها التعامل معها باعتبارها أراضي عامة وفقاً لإجراءاتها.
وتعني شرعنة البؤرة، وفق الإجراءات الإسرائيلية، لإضفاء صفة قانونية عليها من جانب الحكومة الإسرائيلية، بما يتيح تخصيص موازنات رسمية لها، خلافاً للبؤر التي قد تبقى عرضة للإزالة في حال اتخاذ قرار سياسي بذلك.
ولا يقتصر أثر هذه الخطوة على تثبيت الوجود الاستيطاني في الموقع، إذ يسعى الاحتلال، بحسب الدراويش، إلى ربط البؤرة بمستوطنة "نيجهوت" المقامة على أراضي مدينة دورا، بما يعزز التواصل الجغرافي بين مواقع الاستيطان في المنطقة.
ويرى الدراويش أن إقامة هذه البؤر تندرج ضمن مساعٍ لعزل مناطق جنوب محافظة الخليل وغربها عن وسط المحافظة وشرقها، وإنشاء حزام استيطاني يحول دون بقاء الأراضي الفلسطينية الواقعة غرب الخليل متصلة جغرافياً ومطلة على الساحل الفلسطيني. وترافقت إقامة هذه البؤرة مع إجراءات إسرائيلية طاولت منشآت فلسطينية في محيط موقع العملية عند مدخل فرش الهوى.
وبتوجيهات من وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، صدرت تعليمات بهدم منشآت تجارية وصناعية بذريعة أمنية، في خطوة يصفها الدراويش بأنها غير مسبوقة من حيث استهداف المنشآت بهذه الحجة. ويوضح الدراويش أن ذرائع مشابهة ارتبطت سابقاً بالأشجار في المناطق المحاذية لجدار الفصل العنصري، لكن استخدامها لهدم منشآت تجارية وصناعية يشكل سابقة، كما حدث في محيط موقع العملية عند فرش الهوى، حيث هدمت قوات الاحتلال حوالي 15 منشأة صغيرة وكبيرة في الموقع.
تتركز التحركات الاستيطانية في مناطق قريبة من التجمعات السكانية والأراضي الزراعية، بما يثير مخاوف من اتساع نطاق الاستيلاء على الأراضي وتقييد وصولهم إليها
وفي غرب الخليل، حاول المستوطنون إقامة بؤرة استيطانية أخرى في المنطقة الواقعة بين بلدة بيت كاحل ومنطقة فرش الهوى، وقد رفعوا أعلاماً إسرائيلية على أراضٍ خاصة تعود للمواطنين، وخرّبوا أكواخاً في أراضٍ زراعية ومصايف، غير أنهم لم يتمكنوا حتى الآن من إقامة البؤرة في المواقع المستهدفة، نظراً إلى تصنيف الأراضي، أراضيَ خاصة.
أما في المناطق الجنوبية المحيطة بمسافر يطا، فقد أقام المستوطنون، عقب عملية إطلاق النار بيومين، ثلاث بؤر استيطانية، ويعملون على توسيعها يومياً واستقدام مستوطنين للإقامة فيها.
وتتركز هذه التحركات في مناطق قريبة من التجمعات السكانية والأراضي الزراعية، بما يثير مخاوف السكان من اتساع نطاق الاستيلاء على الأراضي وتقييد وصولهم إليها.
ويقول رئيس مجلس مسافر يطا، نضال أبو عرام، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "البؤرة الأولى أقيمت في منطقة أم الدرج، على مقربة من منازل السكان في بادية يطا، فيما أقيمت الثانية في الناحية الغربية، بمنطقة بيت عمرة". ويؤكد أبو عرام أن المستوطنين وضعوا نحو ثلاث خيام في كل من البؤرتين، وجلبوا قطعاناً من الأغنام، ونصبوا غرفاً استيطانية خشبية، إلى جانب هياكل لمركبات متنقلة تشبه الكرفانات، تُستخدم للمبيت. أما البؤرة الثالثة، وفق أبو عرام، فأقيمت في منطقة خلة الفرا الواقعة بين يطا وبلدة السموع جنوباً، على أراضٍ زراعية تضم محاصيل تعود للمزارعين من يطا.
ولا يمكن، وفق أبو عرام، تقدير مساحة الأراضي المستولى عليها حتى الآن، نظراً إلى حداثة إقامة البؤرة وتعذّر وصول أصحاب الأراضي إليها، في ظل منع قوات الاحتلال السكان من الاقتراب من الموقع. وفي المنطقة نفسها، ينصب المستوطنون أكواخاً خشبية بمحاذاة أراضٍ مصنفة ضمن المنطقة "ب"، التي لا تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة.
ويشير أبو عرام إلى أن هذه البؤر تُقام برعاية وحماية مستوطن مسلح معروف في يطا يُدعى "شيم توف"، الذي يجلب قطعان الأغنام والأبقار ويعمل على إقامة بؤر استيطانية في مناطق مختلفة من يطا.
وبالتزامن مع هذه التحركات، تغلق قوات الاحتلال البوابات المؤدية إلى مسافر يطا بصورة كاملة، وتواصل مصادرة المركبات الفلسطينية، إذ صادرت 12 مركبة تعود لسكان المنطقة، ومنعتهم من الوصول إلى الشارع الالتفافي. وتشير هذه التحركات المتزامنة، من إقامة البؤر الاستيطانية وتوسيعها إلى هدم المنشآت وفرض القيود على الحركة، إلى أن تداعيات عملية فرش الهوى تجاوزت موقعها المباشر إلى مناطق واسعة من محافظة الخليل، تعكس طابعاً عقابياً وتنعكس مباشرة على حياة السكان اليومية ومصادر رزقهم، وفق أبو عرام.


