أوروبا تحاصر تجارة المستوطنات الإسرائيلية وتمويل توسعها

زمن برس، فلسطين: اتسعت الإجراءات الأوروبية لتقييد الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، مع دخول حظر الواردات حيز التنفيذ في أيرلندا في 15 سبتمبر/أيلول المنصرم، وفي هولندا في 22 من الشهر نفسه، وتعهد بريطانيا وفرنسا وكندا بخطوات مماثلة، إلى جانب إجراءات إسبانية ومشروعات تنظيمية في بلجيكا والنرويج. وتشمل القيود، بحسب الدولة، تجارة السلع وتمويل البناء والعقارات والوساطة والخدمات المرتبطة بالتوسع الاستيطاني. وتضم الموجة ثماني دول، سبعا أوروبية إضافة إلى كندا، تتفاوت خطواتها بين حظر مطبق وتشريعات مقترحة وتعهدات باتخاذ إجراءات وطنية. وأكد بيان مشترك لوزراء خارجية 12 دولة، صدر في 8 سبتمبر/أيلول، أن بريطانيا وفرنسا وكندا ستقدم تدابير لحظر تجارة منتجات المستوطنات، مرحبا بالخطوات التي اتخذتها إسبانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج وبلجيكا.
وقد توسع بريطانيا القيود الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات لتشمل القطاع المالي الإسرائيلي، وفق صحيفة "غلوبس". ولا تطبق هذه الدول نظاما واحدا، فبعض الإجراءات يقتصر على منع استيراد المنتجات، بينما يشمل بعضها شراء السلع وبيعها والوساطة فيها، وتستهدف مشروعات أخرى شراء العقارات وتقديم خدمات البناء والتمويل والاستحواذ على الشركات العاملة داخل المستوطنات. وأفادت صحيفة "إسرائيل اليوم"، أول أمس الثلاثاء، باتساع دائرة القيود الأوروبية، مشيرة إلى اضطرار المصدرين الإسرائيليين إلى تقديم مستندات تفصيلية لإثبات مواقع الإنتاج ومنشأ البضائع. وعرضت الصحيفة مخاوف إسرائيلية من امتداد الإجراءات إلى قيود اقتصادية أوسع، في وقت تتجه فيه دول إلى استهداف الأنشطة التي تمول التوسع الاستيطاني أو تسهل تسويق منتجاته.
حظر يتجاوز الواردات
بدأ تطبيق الحظر الهولندي في 22 سبتمبر/أيلول، بعد نشر القرار في يوليو/تموز. وبحسب الجمارك الهولندية، يمنع القرار استيراد منتجات المستوطنات وشراءها وبيعها وتقديم خدمات التجارة والوساطة المرتبطة بها، كما يحظر الأنشطة التي تستهدف الالتفاف على هذه القيود. ويشمل الحظر السلع المنتجة أو المستخرجة كليا أو جزئيا في المستوطنات، ما يجعل التحقق من المنشأ مرتبطا بمكونات السلعة ومراحل تصنيعها، إلى جانب موقع إنتاجها النهائي. وتؤكد السلطات أن المنتجات المشمولة لا يجوز طرحها في السوق الهولندية، وأن مخالفة القرار قد تعرض المتعاملين للملاحقة.
وأوضحت المحامية المتخصصة في التجارة الدولية ييكة بيرماس، في مذكرة نشرها مكتب "بلوم" الهولندي في 25 سبتمبر/أيلول، أن القرار يمس سلسلة التوريد، بما فيها المستوردون والموزعون والمشترون والوسطاء، ويستلزم مراجعة معلومات الموردين ووثائق المنشأ وإجراءات الرقابة داخل الشركات. وأضافت أن التحدي الرئيسي يتمثل في تحديد المصدر الحقيقي للسلع والمواد الخام والمنتجات نصف المصنعة، خصوصا عندما تتوزع مراحل الإنتاج بين مواقع مختلفة. وأشارت إلى أن السلطات أقرت، خلال إعداد القرار، بوجود صعوبات عملية في التحقق من المنشأ، وأن اختيار قانون أجنبي لحكم العقود لا يتيح بسهولة استبعاد القيود التجارية الإلزامية.
ومع منع تداول المنتجات المشمولة داخل السوق الهولندية، تسمح القواعد بعبورها إلى دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي تحت إجراءات العبور الجمركي، أو تخزينها في مستودعات جمركية قبل نقلها. ويجوز تنفيذ عمليات التفريغ والتخزين والنقل اللازمة لهذا العبور، بينما تبقى الوساطة التجارية خاضعة للحظر. ويمتد القرار إلى المنتجات التي يحملها المسافرون في أمتعتهم، وفق تعليمات الجمارك، بما فيها السلع المصنوعة كليا أو جزئيا في المستوطنات. وتوضح الهيئة أن فحص الحقائب ممكن عند دخول البلاد، وأن المنع يتعلق بمنشأ المنتجات المشمولة، ولا يسري تلقائيا على جميع البضائع القادمة من إسرائيل.
قواعد مختلفة للتطبيق
وفي أيرلندا، دخل قانون حظر استيراد منتجات المستوطنات حيز التنفيذ في 15 سبتمبر/أيلول، بعدما وقعه الرئيس في 23 يوليو/تموز. وتوضح هيئة الإيرادات الأيرلندية أن استيراد السلع القادمة من رموز بريدية محددة في الأراضي الفلسطينية المحتلة أصبح محظورا بموجب قانون الجمارك، مع تطبيق صلاحيات التفتيش والحجز والمصادرة. ويختلف النظام الأيرلندي عن الهولندي في معاملة الأمتعة الشخصية؛ إذ يستثني السلع غير التجارية التي يحملها الشخص لاستهلاكه أو استخدامه الخاص. ويتيح كذلك طلب إعفاء للمنتجات القادمة من رموز بريدية تمتد جزئيا داخل الأراضي المحتلة وجزئيا داخل إسرائيل.
وتتحقق السلطات، عند تلقي طلب الإعفاء، من الموقع الدقيق الذي نشأت فيه البضائع، وتمنحه إذا ثبت أن المنتجات لم تصنع في مستوطنات داخل الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ يونيو/حزيران 1967. ويتيح هذا المسار للمستورد تقديم أدلة على موقع الإنتاج وطلب مراجعة تصنيف وارداته. أما بلجيكا، فأقر مجلس وزرائها في 18 يوليو/تموز مشروع مرسوم ينظم استيراد منتجات المستوطنات ضمن نظام التصاريح المسبقة.
وينص المشروع على رفض التصريح عندما تثبت المستندات، أو توجد أسباب معقولة للاشتباه، أن البضائع منشؤها مستوطنة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويتضمن المشروع فترة انتقالية مدتها 120 يوما، واستثناءات للمتعاملين الاقتصاديين الفلسطينيين والأنشطة الإنسانية، وأحيل إلى مجلس الدولة لإبداء الرأي. ويعتمد قائمة الرموز البريدية الأوروبية، بما يربط الموافقة على الاستيراد بفحص المنشأ قبل السماح بدخول المنتجات.
التمويل والعقارات
وفي بريطانيا، تتجاوز الإجراءات المعلنة تجارة السلع إلى الشركات والأفراد الذين يقدمون خدمات البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات لدعم توسع المستوطنات. وأعلن وزير الخارجية إد ميليباند، في الثامن من سبتمبر/أيلول، إعداد نظام عقوبات يستهدف هذه الأنشطة، إلى جانب منع الإعلان عن عقارات المستوطنات في السوق البريطانية. وأكد ميليباند، في خطاب ألقاه الاثنين الماضي، أن الحكومة ستعمل على قطع خطوط التمويل والبناء والخدمات البريطانية المرتبطة بالمستوطنات. وأوضحت الحكومة في جواب برلماني أن تفاصيل التدابير لا تزال قيد التطوير، بما فيها معايير استهداف الخدمات المالية المقدمة للبناء أو التوسع الاستيطاني.
وذكرت صحيفة "الغارديان"، في 22 سبتمبر/أيلول، أن نوابا وجهوا تحذيرات إلى بنوك ومؤسسات مالية بريطانية بشأن الاستثمار في مشروع "إي1" الاستيطاني، وطالبوها بمراجعة انكشافها عليه قبل بدء تطبيق التشريع المرتقب. وأشارت الصحيفة إلى أن إصدار القانون قد يستغرق بين ستة أشهر وتسعة أشهر، فيما يمكن أن تنشئ الالتزامات الاستثمارية الحالية عقودا يصعب التراجع عنها لاحقا. وتشمل التحذيرات فحص التمويل والاستثمارات المرتبطة بالمشروع، الذي يتضمن أكثر من 3400 وحدة سكنية، وتوضيح موقف المؤسسات المالية من المشاركة فيه.
ويرتبط هذا المسار بالإجراءات المعلنة لاستهداف الخدمات التي تسهل إنشاء المستوطنات وتوسيعها. ويظل نطاق الشركات والأفراد المشمولين، ومواعيد سريان القيود، مرتبطا بالتشريعات واللوائح التي تعدها الحكومة البريطانية. وفي النرويج، طرحت الحكومة في 19 يونيو/حزيران مشروع قانون يحظر استيراد السلع من المستوطنات وتصدير البضائع إليها. ويشمل المشروع شراء العقارات وتقديم الخدمات المرتبطة بالبناء والتجديد والشراء والبيع، وكذلك الاستحواذ على شركات تقع مقارها وإنتاجها داخل المستوطنات.
وقالت وزارة الخارجية النرويجية إن القواعد المقترحة تستهدف منع المواطنين والشركات من تحقيق أرباح من أنشطة تدعم استمرار المستوطنات، مع حماية الأنشطة الفلسطينية المشروعة والمساعدات الإنسانية. وحددت الحكومة 19 سبتمبر/أيلول موعدا لانتهاء التشاور العام، ودعت الشركات والمنظمات والجهات المتخصصة إلى تقديم ملاحظاتها. ويتضمن المشروع مسؤولية جنائية عند مخالفة الحظر، لكن الإعلان الحكومي يقدمه باعتباره مسارا تشريعيا مقترحا، وليس نظاما نافذا بالفعل.
من الرسوم إلى المنع
وتضاف القيود الوطنية إلى نظام أوروبي قائم يحرم منتجات المستوطنات من المعاملة الجمركية التفضيلية الممنوحة للصادرات الإسرائيلية بموجب اتفاق الشراكة. وتوضح المفوضية الأوروبية أن التمييز يعتمد على ترتيب جمركي مطبق منذ 2004، يلزم شهادات المنشأ بتحديد مكان الإنتاج. ويتيح النظام للجمارك استخدام الرموز البريدية للتحقق من أهلية السلعة للإعفاءات. وكانت منتجات المستوطنات تدخل بموجب القواعد السابقة مع حرمانها من الامتيازات الجمركية، بينما يمنع الحظر الوطني دخولها إلى السوق المعنية أو تداولها وفق نطاق كل قرار.
وتظل المنتجات الإسرائيلية القادمة من المواقع غير المشمولة خاضعة لقواعد التجارة القائمة وشروط إثبات المنشأ. وتؤكد الجمارك الهولندية أن قرارها لا يغير العلاقات التجارية مع إسرائيل داخل حدودها المعترف بها دوليا. وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، قالت مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس في يوليو/تموز إن حظر تجارة المستوطنات حظي بأقوى دعم بين الخيارات المطروحة، لكن الدول الأعضاء ظلت منقسمة. ووفق "رويترز"، تضمنت الخيارات نظام تراخيص للاستيراد، أو رسوما جمركية مرتفعة، أو حظرا تجاريا.
شركات تحت المراجعة
وفي مسار منفصل، وسع مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 25 سبتمبر/أيلول قاعدة بيانات الشركات المرتبطة بالمستوطنات، بإضافة 61 شركة، ليرتفع العدد إلى 214 شركة من 11 دولة. وتشمل الأنشطة التي خضعت للمراجعة الزراعة والطاقة والضيافة وغيرها من الأعمال المرتبطة باقتصاد المستوطنات. وأفادت "رويترز" بأن القائمة تضم شركات إسرائيلية وأجنبية، فيما أزيلت شركات بعد إعادة تقييم أنشطتها.
يذكر أن الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، واستحوذ على 31.7% من تجارتها السلعية في 2025. وبلغ تبادل السلع بين الجانبين 43.3 مليار يورو، منها 15.3 مليار يورو واردات أوروبية من إسرائيل، فيما بلغ تبادل الخدمات 26.6 مليار يورو في 2024، وفق المفوضية الأوروبية. وتخص هذه الأرقام التجارة الإجمالية مع إسرائيل، ولا تمثل قيمة منتجات المستوطنات أو المبيعات الخاضعة للحظر. وبينما بدأ التطبيق الجمركي في هولندا وأيرلندا، تواصل دول أخرى إعداد تشريعاتها وتحديد الأنشطة والخدمات المشمولة، مع اختلاف مواعيد التنفيذ والاستثناءات وقواعد التحقق من المنشأ بين الأسواق.


