حرب إسرائيل على "أونروا"... تصعيد من بوابة معهد قلنديا

حرب إسرائيل على "أونروا"... تصعيد من بوابة معهد قلنديا

زمن برس، فلسطين:  باستيلائها، أول من أمس الثلاثاء، على مركز قلنديا للتدريب التابع لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى "أونروا"، وإدخالها أطقم فنية إلى المعهد الواقع في بلدة كفر عقب شمالي القدس المحتلة، بذريعة "صيانة وترميم"، تواصل إسرائيل حربها على الوكالة الأممية لخنقها تدريجياً بعد شيطنتها، تمهيداً لإلغاء دورها بشكل كامل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبينما يصعّد الاحتلال ضد "أونروا" في محافظة القدس، فإن استهدافها في قطاع غزة يحظى بتغطية أميركية، حيث تردد واشنطن من منبر مجلس الأمن عبارة "لا مكان لأونروا في غزة"، ليعيد مجلس السلام بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب العبارة نفسها، مروجاً لآلية إغاثية بديلة في القطاع تحت إشرافه.

الاستهداف الإسرائيلي الأميركي للوكالة، بهدف تفكيكها، لم يبدأ منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 في سياق حرب الإبادة على كل ما هو فلسطيني أو يتعلق بالفلسطينيين، إذ برز هذا الاستهداف خلال في ولاية ترامب الأولى، تحديداً في 28 يناير/ كانون الثاني 2020، حين أعلن الرئيس الجمهوري عن بنود "صفقة القرن". نصت الصفقة حينها على أنه "لن يكون هناك أي حق في العودة أو استيعاب أي لاجئ فلسطيني في دولة إسرائيل"، كما نصت على أنه "عند توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، فإن وضع اللاجئ الفلسطيني سوف ينتهي من الوجود، وسيتم إنهاء أونروا". ومنذ اتهامها، مطلع 2024، لموظفين في "أونروا" بالمشاركة في هجمات السابع من أكتوبر 2023، ما أدى لتعليق تمويل الوكالة من قبل كثير من الدول، والتي تراجعت أغلبها عن ذلك بعد أن برأها تحقيق أممي مستقل ومحكمة العدل الدولية في العام التالي، كثفت إسرائيل حربها على الوكالة التي تأسست عام 1949 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفُوّضت بتقديم المساعدة والحماية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس: الأردن وسورية ولبنان والضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة.

استهداف "أونروا" خلال حرب الإبادة

ووسط تعرّض مقراتها ومدارس ومراكز إيواء تدريبها إلى جانب موظفين فيها للقصف والاستهداف العمد في قطاع غزة، حيث استشهد "390 من موظفي أونروا" وفق الأمم المتحدة التي تطالب بمساءلة إسرائيل عن استهدافهم، بالإضافة إلى منعها من إدخال المساعدات إلى القطاع، استكمل الاحتلال هذه الحرب بإقرار الكنيست أواخر 2024، قانوناً يحظر عمل "أونروا" في إسرائيل والقدس الشرقية المحتلة، أما الذريعة فهي التواطؤ مع حركة حماس. ومنذ دخول الحظر حيز التنفيذ في 30 يناير 2025، غادر الموظفون الدوليون في الوكالة القدس الشرقية لانتهاء مفعول تصاريحهم الإسرائيلية. ففي 28 أكتوبر 2024 صادق الكنيست على قانونين، القانون الأول نصّ على حظر أي نشاط للوكالة داخل ما تسميه إسرائيل "أراضيها السيادية" (بما يشمل القدس الشرقية المحتلة)، فيما قضى الثاني بقطع كافة أشكال التواصل بين السلطات الإسرائيلية والوكالة.

 

انتقل الاحتلال بعد ذلك من الحظر إلى المصادرة الميدانية، إذ بدأت "سلطة أراضي إسرائيل" بتنفيذ أوامر إخلاء لمقرات الوكالة بدعوى انتهاء عقود الإيجار أو استخدام الأراضي بغير غرضها. ورغم دعوة الأمم المتحدة إسرائيل مراراً إلى التراجع عن القرار من دون جدوى، شرعت السلطات الإسرائيلية بإجراءات من بينها الاقتحام وقطع المياه والكهرباء بإشراف وزير الطاقة والبنى التحتية الإسرائيلي إيلي كوهين، فيما تحدثت تقارير وسائل إعلام عبرية لاحقاً، عن مخططات لإقامة متحف لجيش الاحتلال ومكتب تجنيد ومقر لوزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، على أنقاض مجمّع "أونروا" في حي الشيخ جراح بالقدس. وفي يناير 2026 أعلنت محافظة القدس أن سلطات الاحتلال أقرت خطوات عملية لتنفيذ قانون قطع الكهرباء والمياه عن مباني أونروا في القدس، حيث شرعت بإرسال إخطارات رسمية تمهيداً لبدء التنفيذ.

وكان وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، قد اقتحم مقر "أونروا" في حي الشيخ جراح، في 20 يناير الماضي، يرافقه رئيس بلدية الاحتلال موشيه ليون وعناصر من الشرطة الإسرائيلية ومستوطنون، حيث استعرض بن غفير من داخل المقر المخططات الرامية لتحويله إلى بؤرة استيطانية تضم مئات الوحدات الاستيطانية. وأعلن خلال الاقتحام الذي تبعته عمليات هدم داخل مقر الوكالة، أن هذا الإجراء يمثل خطوة فعلية لإنهاء دور الوكالة في المدينة. وشملت إجراءات قطع الكهرباء في يناير الماضي، مركز "أونروا" في قلنديا الذي يضم 325 طالباً، ليتبع ذلك الاستيلاء عليه أول من أمس الثلاثاء، في سياق تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في اليوم نفسه، مجاهراً بأن إسرائيل "ستعمل ضد وكالة أونروا بكل الوسائل". وسبق ذلك بن غفير، الذي اعتبر إغلاق مقر معهد التدريب المهني في قلنديا تعبيراً عن "فرض السيادة الإسرائيلية على القدس"، مضيفاً أن "أونروا في قبضتنا".

مساران سياسي وتعليمي

وتواصل العدوان على مركز قلنديا للتدريب التابع لـ"أونروا"، أمس الأربعاء. وفي هذا الصدد رأى رئيس اتحاد لجان أولياء أمور مدارس القدس زياد الشمالي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن استهداف معهد التدريب المهني التابع لوكالة أونروا يأتي ضمن مسارين متوازيين "أولهما سياسي يستهدف إنهاء دور المؤسسات التي ترعى اللاجئين الفلسطينيين، والثاني تعليمي يطاول واحدة من أبرز المؤسسات المهنية التي تخدم سكان المناطق الواقعة خارج جدار الفصل العنصري". وأوضح "الاحتلال يسعى من خلال هذه الإجراءات، إلى استكمال مشاهد النكبة التي حلّت بالفلسطينيين عام 1948 عبر إنهاء دور المؤسسات التي ترعى اللاجئ الفلسطيني"، فيما يتعلق المسار الثاني، بالتعليم المهني في القدس ومحيطها، إذ يشكل معهد قلنديا "متنفساً" أكاديمياً ومهنياً لسكان المناطق الواقعة خارج جدار الفصل العنصري، كما يعد المعهد الوحيد الذي يقدم هذا النوع من التعليم في تلك المنطقة.

زياد الشمالي: اقتحام معهد قلنديا يأتي سياق أوسع من الإجراءات الإسرائيلية ضد مؤسسات "أونروا" في القدس

ووضع الشمالي اقتحام معهد قلنديا في سياق أوسع من الإجراءات الإسرائيلية ضد مؤسسات "أونروا" في القدس، مشيراً إلى أن ما جرى "يماثل تماماً" إغلاق المؤسسات التعليمية التابعة للوكالة في مخيم شعفاط خلال مايو/أيار العام الماضي، إلى جانب إغلاق مكتبها الرئيسي في حي الشيخ جراح خلال ديسمبر/كانون الأول 2025، معتبراً أن هذه الإجراءات تستهدف، في جوهرها، "القضاء على مسألة اللاجئ الفلسطيني". في المقابل أشار الشمالي إلى أن ما يتردد عن خطط إسرائيلية لإنشاء بدائل للمؤسسات التابعة لـ"أونروا" يتضمن إقامة مؤسسات تعليمية تابعة للاحتلال، وتدرّس المنهاج الإسرائيلي، إلى جانب توفير مرافق وخدمات صحية إسرائيلية في المنطقة. وتكتسب خدمات المعهد أهمية إضافية لكون التعليم المهني الذي تقدمه "أونروا" مجانياً. ويستقبل المعهد، وفق الشمالي، ما بين ألف و1200 طالب سنوياً، منهم أكثر من 340 طالباً مسجلين على أنهم "لاجئون".

بدوره أكد عضو هيئة العمل الوطني والأهلي في القدس، راسم عبيدات في حديث لـ"العربي الجديد"، أن مقر معهد قلنديا مقام على أرض تبلغ مساحتها نحو 80 دونماً على أطراف مخيم قلنديا، بموجب اتفاقية وُقّعت في 16 أكتوبر 1952 بين الحكومة الأردنية ووكالة أونروا. كما تتخذ قضية ملكية الأرض بُعداً آخر، إذ يدعي الاحتلال أن الأرض تعود إلى ما يُسمى "الصندوق القومي الإسرائيلي" (كاكال)، بل طالب وكالة أونروا بدفع تعويضات بأثر رجعي تقدّر بنحو 27 مليون دولار، بذريعة "الاستخدام غير المشروع" للأرض. ورأى عبيدات أن هذا الادعاء يأتي في سياق أوسع من الضغوط الإسرائيلية الهادفة إلى إنهاء وجود الوكالة ومؤسساتها في القدس. ويُعدّ معهد قلنديا المؤسسة السابعة التابعة لـ"أونروا"التي يغلقها الاحتلال في القدس، بحسب عبيدات، ما أدى إلى حرمان نحو 1800 طالب من خدمات المؤسسات التعليمية التابعة للوكالة، معتبراً أن الأمر يتجاوز استهداف مؤسسة بعينها، ليطاول "تصفية قضية حق العودة الفلسطيني ومحوها من الذاكرة العالمية".

راسم عبيدات: 28 بعثة دبلوماسية معتمدة لدى فلسطين زارت مخيم قلنديا والمعهد قبل أقل من 24 ساعة على اقتحامه

كما رأى أن استهداف "أونروا" يأتي ضمن مشروع أوسع لـ"شطب وجود المؤسسات الدولية والمؤسسات الفلسطينية في مدينة القدس"، التي تقدم خدمات مباشرة للسكان الفلسطينيين. وأشار عبيدات إلى أن 28 بعثة دبلوماسية معتمدة لدى فلسطين زارت مخيم قلنديا والمعهد قبل أقل من 24 ساعة على اقتحامه من قبل بن غفير، غير أن الاقتحام، وفق عبيدات، يعكس عدم اكتراث الحكومة الإسرائيلية بالمواقف الدولية، في ظل اقتصار الردود، حتى الآن، على بيانات الشجب والاستنكار. وأكد عبيدات أن استمرار هذه السياسات، يعكس قناعة لدى الحكومة الإسرائيلية بأنها قادرة على تجاوز القرارات الدولية من دون تحمل تبعات عملية. وفي رأيه فإن العقوبات والإجراءات الأوروبية الحالية، التي يصفها بأنها "عقوبات شكلية" و"رفع عتب"، لا تحظى باهتمام نتنياهو أو حكومته، ولا تردع المسؤولين المتطرفين عن مواصلة استهداف المؤسسات الفلسطينية والدولية في القدس.