أوامر عسكرية إسرائيلية بأثر رجعي لابتلاع أراضي الضفة الغربية

زمن برس، فلسطين: تتعرض الأراضي الزراعية حول الشوارع الالتفافية (الاستيطانية) في الضفة الغربية المحتلة لاستهداف مُركب، يستخدم فيه الاحتلال والمستوطنون الاعتداء بالحرق والتجريف، وكذلك الأوامر العسكرية الرسمية التي تهدف في نهاية المطاف إلى شرعنة الاعتداءات وإعطائها صبغة قانونية، وفي عدد من الحالات بأثر رجعي بعد تنفيذ إبادة الأشجار.
آخر تلك الاستهدافات طاولت أراضي ثلاث قرى في نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، هي سالم وبورين ومادما، وقد تجمعت عليها أساليب إصدار الأوامر العسكرية بشكل مسبق، ومن ثم التجريف واقتلاع المستوطنين للأشجار أو حرقها، وأخيراً إصدار أوامر عسكرية جديدة لشرعنة ما نُفّذ على الأرض، أي قرارات بأثر رجعي.
ويشرح رئيس مجلس قروي مادما جنوب غرب نابلس رامي نصار، لـ"العربي الجديد"، تسلسل الأحداث، حيث تسلم المجلس القروي في السادس من يوليو/تموز الحالي، قراراً باقتلاع الأشجار بمحاذاة الشارع الالتفافي الاستيطاني المسمى 60، لتقتلع لاحقاً قرابة 1000 شجرة، معظمها من أشجار الزيتون المعمر. لم يكن ذلك كافياً، فظهر يوم الجمعة الماضي، وبعد ساعات من مجزرة تل المجاورة، والتي ذهب ضحيتها أربعة فلسطينيين، بدأ مستوطن يسكن بؤرة حديثة نسبياً شمال غرب القرية اقتلاع المزيد من الأشجار باستخدام آلية صغيرة، وسرعان ما انضمت جرافات وآليات كبيرة عدة لعملية الاقتلاع، التي استمرت من الساعة الواحدة ظهراً وحتى الثانية فجراً، لتقتلع آلاف الأشجار من مساحة تقارب 350 دونماً. ويؤكد نصّار أن المستوطنين قاموا بذلك بدون وجود أي قرار مسبق أو أية قرارات عسكرية، وكانت المفاجأة بقرار عسكري وصل إلى المجلس القروي صباح الأحد الماضي، لاقتلاع المزيد من الأشجار.
وفي قرية سالم شرق نابلس، تسلسل مشابه مع اختلاف الوسائل، فإثر ادعاء الاحتلال عن عملية طعن قرب بلدة بيت فوريك، الخميس الماضي، أحرق المستوطنون مساحات كبيرة من الأراضي، ومن ضمنها ما يحوي أشجار الزيتون. ويقول رئيس مجلس قروي سالم عدلي اشتية، لـ"العربي الجديد"، إن "التقديرات تشير إلى قرابة 300 دونم، ولم أستطع الوصول إلى المكان بسبب ملاحقة المستوطنين لي ولطاقم المجلس اليوم (أمس) الاثنين" للاطلاع على الأضرار. وقد صدر لاحقاً قرار عسكري بإزالة الغطاء النباتي من 7 دونمات، من ضمنها ما أحرق فعلاً، وجزء منها لم تكن قد وصلت إليه النيران، وبدأ الاحتلال بتجريفها فعلياً، قبل انتهاء مهلة ثلاثة أيام وردت في القرار، إلى جانب طريق قرية بيت دجن القديم الذي يستخدمه مستوطنون بؤرة استيطانية أقيمت قبل سبعة أشهر.
الاحتلال يأمر باقتلاع الأشجار في بورين
أما في قرية بورين، فقد وصل لرئيس المجلس القروي إبراهيم عمران من الارتباط الفلسطيني، صباح السبت الماضي، أمر عسكري باقتلاع الأشجار في عشرات الدونمات على جانب ما يسمى شارع 60 الاستيطاني. ويقول عمران، لـ"العربي الجديد"، إن "القرار وصلني الساعة العاشرة والنصف صباحاً باللغة العبرية، وإلى حين الحصول على ترجمته أصبحت الساعة 12 ظهراً، لأفاجأ بأن الجرافات بدأت باقتلاع الأشجار، وأكتشف أن القرار شمل مهلة لأصحاب الأراضي للاعتراض خلال 3 ساعات فقط".
وتشير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في بيان، إلى أن الخطورة الأساسية في هذه الأوامر لا تقتصر على المساحات والأشجار المستهدفة، بل في أنها صدرت بعد أن كانت قوات الاحتلال قد نفذت عمليات الإزالة على الأرض، الأمر الذي يحولها من قرارات سابقة للتنفيذ إلى غطاء إجرائي لاحق لفعل منجز. وعلى الرغم من أن نصوص الأوامر تمنح أصحاب الأراضي فترات للاعتراض، فإن صدورها بعد اقتلاع الأشجار، والسماح في بعضها بالتنفيذ فور التوقيع أو خلال ثلاث ساعات فقط، يفرغان حق الاعتراض من مضمونه، ويحيلانه إلى إجراء شكلي لا يستطيع منع الضرر أو حماية الملكية، وبذلك تُستخدم الأوامر العسكرية لتقنين الواقع المفروض بأثر لاحق، لا لضمان حق أصحاب الأراضي في الاعتراض الفعلي قبل المساس بأراضيهم وممتلكاتهم.
رصد مجموعة من الأوامر المشابهة في الضفة الغربية
ويؤكد المدير العام للتوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود، لـ"العربي الجديد"، أن الهيئة رصدت مجموعة من الأوامر المشابهة، مثل اقتلاع 10 آلاف شجرة في قرية المغير شمال شرق رام الله وسط الضفة الغربية في أغسطس/ آب من العام الماضي، بعد حصار القرية واقتحامها لمدة ثلاثة أيام متواصلة مع منع التجول فيها، ليصدر أمر عسكري لاحقاً، يحوي على فترة يتاح فيها لأصحاب الأراضي الاعتراض، وهو ما تكرر في بلدة بروقين غرب سلفيت. ويعتبر داود أن ما يجري ظاهرة تتكرر ليس فقط في عمليات اقتلاع الأشجار، بل في العديد من الأساليب الاستيطانية مثل شق المستوطنين طرقاً وشوارع بدون أية قرارات، ليلحق ذلك إصدار أوامر عسكرية تشرعن ما فعله المستوطنون.
وتشير الهيئة، في بيانها، إلى أن هذا النمط بالغ الخطورة في استخدام التشريع العسكري، إذ تصدر الأوامر، وفق المعطيات الميدانية، بما يحوّلها من قرارات سابقة للتنفيذ إلى أدوات لإضفاء غطاء إجرائي لاحق على واقع فُرض بالقوة. وتوضح أنه ورغم تضمنيها نصوصاً تتيح الاعتراض، فإن التنفيذ الفوري، أو المهلة التي لا تتجاوز 3 ساعات، تفرغ الحق من مضمونه، ولا سيما أن اقتلاع الأشجار يعني تغييراً دائماً في طبيعة الأرض.
أوامر عسكرية بأثر رجعي
ويؤكد المختص بشؤون الاستيطان ومنسق اللجان الشعبية في الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان سهيل السلمان، في حديث مع "العربي الجديد"، أن سلطات الاحتلال صعدت منذ بدء حرب الإبادة في غزة في عام 2023، ممارساتها متجاوزة أية إجراءات قانونية مسبقة، من أجل تكريس فرض الأمر الواقع، ويعد تدمير الغطاء النباتي نمطاً متكرراً، لا سيما في الأراضي المحاذية للطرق الرئيسية، لتصدر لاحقاً الأوامر العسكرية بأثر رجعي. وحول الدوافع وراء إصدار قرارات عسكرية بعد التنفيذ، يوضح السلمان أن الاحتلال يهدف إلى توفير غطاء قانوني، وذرائع استباقية لتبرير الجرائم الميدانية، لتظهر تلك الجرائم وكأنها استندت إلى أوامر عسكرية رسمية.
سهيل السلمان: يعد تدمير الغطاء النباتي نمطاً متكرراً لتصدر لاحقاً الأوامر العسكرية بأثر رجعي
ويرى السلمان أن توظيف التشريع العسكري بأثر رجعي ليس سلوكاً معزولاً، بل جزء من مشروع احتلالي إحلالي متكامل لشرعنة الضم الفعلي القائم في الضفة الغربية ومن خلال فرض الوقائع بالقوة ثم تغطيتها بالأوامر العسكرية اللاحقة، يتعامل الاحتلال مع الضفة الغربية وكأنها جزء من دولة الاحتلال، وكأن الفلسطينيين هم من يعتدون على الأراضي وليس العكس.
وتؤكد الهيئة في تقدير موقف، أصدرته في الأسبوع الأول من الشهر الحالي، أن تلك المقارنة لا تعكس زيادة عددية فحسب، بل تشير إلى تسارع واضح في لجوء سلطات الاحتلال إلى هذا النوع من الأوامر العسكرية، وتحوله من إجراء يستخدم في حالات محدودة إلى أداة أكثر انتظاماً واتساعاً لإزالة الطبقة الشجرية الفلسطينية، وتوسيع نطاقات الحماية حول المستوطنات والطرق الاستيطانية والمواقع العسكرية، وفرض قيود إضافية على استخدام المواطنين لأراضيهم. وأكدت أن الأوامر لا تنزع الملكيات من الناحية الشكلية، لكن طبيعة الإجراءات بحقها تؤدي إلى تقليص القدرة الفعلية لأصحاب الأراضي من استخدامها، ما ينتج شكلاً من أشكال الاستيلاء الوظيفي على الأراضي.
حسن بريجية: استهداف الاحتلال للغطاء النباتي يهدف إلى طمس إثبات الملكية وحق التصرف
ويعتبر مدير دائرة القانون الدولي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حسن بريجية، في حديث مع "العربي الجديد"، أن استهداف الاحتلال للغطاء النباتي، وتحديداً أشجار الزيتون المعمر، يهدف بالأساس إلى طمس إثبات الملكية وحق التصرف، حيث يلجأ الاحتلال إلى توظيف الأوامر العسكرية لتمرير سياسات سلب الأراضي واقتلاع الأشجار بما يشكل تحايلاً على القوانين الدولية التي تحصر استخدام الأوامر العسكرية بالأغراض العسكرية وليس لخدمة أهداف الاستيطان.




