"هبوعليم" و"ديسكونت" يعتزمان قطع الخدمات عن البنوك الفلسطينية

"هبوعليم" و"ديسكونت" يعتزمان قطع الخدمات عن البنوك الفلسطينية

زمن برس، فلسطين:  أبلغ مصرفا "هبوعليم" و"ديسكونت" الإسرائيليان بنوكًا فلسطينية اعتزامهما وقف خدمات المراسلة المصرفية خلال أسابيع، في خطوة تهدد بتعطيل التحويلات المالية والتجارة بالشيكل، وتفاقم أزمة السيولة والضغوط التي تواجهها السلطة الفلسطينية والاقتصاد في الضفة الغربية المحتلة.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وبحسب ما أفادت وكالة "فرانس برس"، نقلًا عن مسؤولين في وزارة المالية الإسرائيلية والقطاع المصرفي الفلسطيني، اليوم الخميس، ستفقد خمسة بنوك فلسطينية تعتمد على "هبوعليم" خدماتها المصرفية المراسلة في 13 آب/ أغسطس المقبل، بينما الخدمات التي يقدمها "ديسكونت" اعتبارًا من الأول من أيلول/ سبتمبر.

في حين أفادت مصادر مطلعة بأن بنك "هبوعليم" قرر إرجاء تنفيذ الخطوة حتى الأول من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، من دون أن يتخذ بعد قرارًا رسميًا نهائيًا، مرجحةً أن يُبلغ الجهات المعنية بموقفه النهائي خلال الأيام المقبلة.

وتؤدي العلاقات بين البنكين الإسرائيليين والمصارف الفلسطينية دورًا أساسيًا في ربط النظامين الماليين، إذ تتيح معالجة المدفوعات والتحويلات بالشيكل، المستخدم في الجزء الأكبر من المعاملات الاقتصادية بين الجانبين.

وتشمل هذه التعاملات تمويل واردات الضفة الغربية من إسرائيل، بما فيها الكهرباء والمياه والوقود والمواد الغذائية والإمدادات الطبية، إلى جانب تحويل أجور العمال الفلسطينيين داخل إسرائيل وتسوية المدفوعات مع الموردين.

وأكدت وزارة المالية الإسرائيلية أن البنكين أبلغاها بنيتهما وقف خدمات المراسلة، وقالت إنهما استندا إلى "بيئة المخاطر العامة والقلق المتزايد إزاء الدعاوى القضائية الخاصة ضد الكيانات المصرفية"، علما بأن وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، كان قد هدد بأكثر من مناسبة بمنع البنوك الإسرائيلية من تقديم الخدمات للمصارف الفلسطينية بهدف الضغط المالي على السلطة الفلسطينية لدفعها إلى الانهيار.

وأضافت الوزارة، بحسب ما أوردت وكالة "فرانس برس" أنها تجري محادثات مع "هبوعليم" و"ديسكونت" بهدف "تمكين استمرار أنشطة البنك المراسل بطريقة آمنة ومسؤولة، مع الحفاظ على المصالح الأمنية والاقتصادية لدولة إسرائيل".

وتجدد الحكومة الإسرائيلية، منذ عام 2018، خطابات تعويض وحصانة تحمي البنكين من المسؤولية القانونية عن المعاملات التي ينفذانها لصالح المصارف الفلسطينية، ولا سيما في القضايا المرتبطة بادعاءات غسل الأموال أو تمويل الإرهاب.

ويجري تجديد هذه الحماية كل ستة أشهر، وكان سموتريتش قد عطل عملية التمديد في أكثر من مناسبة وهدد بتعليقها، وقد مُددت أنظمة الحصانة مؤخرًا حتى نهاية العام الجاري، إلا أن ذلك لم يمنع البنكين من إبداء رغبتهما في إنهاء العلاقة.

وقال مسؤول مصرفي إسرائيلي لـ"فرانس برس" إن البنوك التجارية لم تعد مستعدة لتحمل هذه المخاطر، معتبرًا أن الترتيب كان مؤقتًا منذ البداية. وأضاف: "لقد ازدادت المخاطر بمرور السنوات، والإعفاء لم يعد كافيًا. إنهم (البنوك الإسرائيلية) يريدون من الدولة أن تتحمل المسؤولية".

وقال بنك "ديسكونت" إنه نقل مخاوفه إلى السلطات المختصة "في ظل المخاطر المتزايدة المرتبطة بتقديم هذه الخدمات، ونظرًا لمسؤوليتنا تجاه مودعينا ومساهمينا". أما بنك "هبوعليم"، فاكتفى بالقول إن "المسألة قيد الدرس حاليًا".

خطر على النظام المالي الفلسطيني

وكان البنك الدولي قد حذّر في تقرير أصدره في أيار/ مايو الماضي، من أن عدم اليقين المحيط بعلاقات المراسلة المصرفية يمثل "خطرًا نظاميًا قريبًا" على القطاع المالي الفلسطيني.

وأكد أن وقف هذه العلاقات أو تقليصها بصورة جوهرية ستكون له آثار فورية مزعزعة للاستقرار في القطاعين المالي والحقيقي.

وأوضح التقرير أن الاقتصاد الفلسطيني يعتمد على الشيكل بوصفه العملة الرئيسية، وأن التحويلات مع إسرائيل والعالم الخارجي تمر عبر بنك إسرائيل والبنوك التجارية الإسرائيلية.

وحذر من أن اضطراب هذه القنوات قد يضعف قدرة المصارف الفلسطينية على تمويل تدفقات السلع الأساسية، بما في ذلك الوقود والمياه والإمدادات الطبية.

ويعمل في السوق الفلسطينية 13 بنكًا، سبعة منها محلية وستة وافدة، فيما تعتمد جميعها بدرجات متفاوتة على النظام المصرفي الإسرائيلي لتسوية المدفوعات بالشيكل.

ويعود اعتماد المصارف الفلسطينية على البنوك الإسرائيلية إلى الهيكل الاقتصادي والنقدي الذي أرساه بروتوكول باريس، الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في 29 نيسان/ أبريل 1994، وأُدرج لاحقًا في اتفاقيات أوسلو.

وأنشأ البروتوكول غلافًا جمركيًا مشتركًا، وأبقى الشيكل عملة قانونية متداولة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب تأسيس سلطة النقد الفلسطينية للإشراف على البنوك، من دون منحها صلاحية إصدار عملة وطنية مستقلة.

وبموجب هذا النظام، تقبل المصارف الفلسطينية الودائع والمدفوعات بالشيكل، لكنها تحتاج إلى البنوك الإسرائيلية لتحويل فوائض العملة وتسوية المدفوعات الرقمية وتمويل التجارة الخارجية.

وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية بسبب ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالسوق الإسرائيلية، التي تعد الشريك التجاري الرئيسي للضفة الغربية.

كما يستند نظام إيرادات المقاصة إلى البروتوكول، إذ تجبي إسرائيل ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية على الواردات المتجهة إلى الأراضي الفلسطينية عبر موانئها، ثم يفترض أن تحولها شهريًا إلى السلطة الفلسطينية بعد خصم رسم إداري قدره 3%.

لكن إسرائيل علّقت تحويل هذه الإيرادات، ما دفع السلطة إلى زيادة اقتراضها من البنوك المحلية وتراكم المتأخرات ودفع أجزاء من رواتب الموظفين.

وتشكل إيرادات المقاصة نحو ثلثي دخل السلطة الفلسطينية، ما يجعل وقفها بالتزامن مع تهديد خدمات المراسلة المصرفية ضربة مزدوجة للمالية العامة ونظام المدفوعات.

ترابط البنوك والسلطة

وحذر خبراء من أن قطع الروابط المصرفية قد يدفع مزيدًا من التعاملات إلى التداول النقدي، ويوسع الاقتصاد غير الرسمي، ويزيد مخاطر غسل الأموال، إلى جانب احتمال نشوء أزمة سيولة داخل البنوك الفلسطينية.

وقال رجل أعمال فلسطيني تربطه علاقات وثيقة بأحد البنوك المحلية إن "السلطة الفلسطينية هي أكبر مقترض من البنوك المحلية، لأنها تعتمد عليها في تمويل رواتب القطاع العام وسد عجز الموازنة".

وأضاف: "إذا انهارت البنوك ستنهار السلطة".

وتظهر بيانات البنك الدولي أن اقتراض السلطة المباشر من المصارف المحلية بلغ نحو 3.3 مليارات دولار بنهاية عام 2025.

ووصل إجمالي انكشاف القطاع المصرفي على القطاع العام، بما يشمل قروض السلطة والموظفين الحكوميين، إلى نحو 5.3 مليارات دولار، أي ما يعادل 42% من إجمالي الائتمان المصرفي.

وبذلك، لا يقتصر أثر وقف خدمات المراسلة على التحويلات بين البنوك، بل قد يمتد إلى قدرة السلطة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات العامة، وإلى قدرة الشركات الفلسطينية على استيراد السلع الأساسية وتسوية مدفوعاتها مع الموردين.

ويهدد توقف هذه الخدمات كذلك بتراكم كميات كبيرة من الشيكل داخل البنوك الفلسطينية من دون إمكان تحويلها أو تسويتها عبر النظام الإسرائيلي، ما قد يعمق أزمة السيولة ويقيد قدرة المصارف على تنفيذ التحويلات ومنح الائتمان.