صندوق النقد يخفض توقعات نمو إسرائيل ويحذر من كلفة الحرب

صندوق النقد يخفض توقعات نمو إسرائيل ويحذر من كلفة الحرب

زمن برس، فلسطين:  خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الإسرائيلي في عام 2026 إلى 3.5%، بعدما كانت 4.8% قبل الحرب الأخيرة على إيران، محذرًا من أن التوترات الإقليمية والإنفاق العسكري المرتفع وقيود سوق العمل "تلقي بظلالها" على الاقتصاد الإسرائيلي وتضعف آفاقه على المدى المتوسط.

وجاء ذلك في التقرير السنوي لعام 2026 بشأن إسرائيل، الذي أقرّه المجلس التنفيذي للصندوق في 24 حزيران/ يونيو الماضي، ونُشر الأربعاء، متضمنًا تقرير الخبراء وبيانًا صحافيًا وتقييمًا للمخاطر الاقتصادية والمالية؛ ولفت بنك إسرائيل إلى أن التقرير أعد بواسطة وفد من الخبراء الاقتصاديين في الصندوق كان زار اسرائيل، برئاسة كوتارو إيشي.

وبحسب التقرير، فإن الاقتصاد الإسرائيلي أظهر قدرة على امتصاص صدمات متكررة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، غير أن هذه الصدمات منعت تعافيًا مستقرًا، وتركت الناتج بنحو 9% دون مساره المتوقع قبل الحرب، في ظل كلفة متراكمة للحرب على غزة، والتصعيد مع إيران في حزيران/ يونيو 2025، والحرب الأخيرة على إيران التي بدأت في 28 شباط/ فبراير 2026.

ويرى الصندوق أن التوترات الإقليمية رفعت كلفة الأمن والدفاع، وعمّقت قيود سوق العمل بفعل تجنيد قوات الاحتياط وتراجع توفر العمال غير الإسرائيليين، وبينهم العمال الفلسطينيون، ما يضغط على النشاط الاقتصادي ويزيد كلفة الدين والفوائد.

نمو أضعف وعجز أوسع

ويتوقع صندوق النقد أن يسجل الاقتصاد الإسرائيلي نموًا بنسبة 3.5% في 2026، على أن يرتفع إلى 4.4% في 2027، مدفوعًا بعودة تدريجية للعمالة وانخفاض القيود على الحركة، غير أن التقرير يؤكد أن التعافي سيبقى محدودًا بسبب استمرار الضبابية الجيوسياسية وعدم عودة سوق العمل إلى وضعه الطبيعي بالكامل.

وكان الاقتصاد الإسرائيلي قد سجل نموًا ضعيفًا بنسبة 1% في 2024، ثم 2.9% في 2025، قبل أن يتعرض مجددًا لضربة في الربع الأول من 2026، حين انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.3% على أساس سنوي فصلي، نتيجة تراجع الاستهلاك الخاص والعام، بالتزامن مع قيود الحرب وتأخر إقرار الميزانية.

وتشير تقديرات الصندوق إلى أن عجز الحكومة العامة سيرتفع إلى 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقارنة بـ5.2% في 2025، فيما سيصعد الدين العام إلى 70.1% من الناتج، بعدما كان 67.7% في 2024 و68.4% في 2025.

أما عجز الحكومة المركزية، فيتوقع الصندوق أن يبلغ 5.3% من الناتج في 2026، مقابل 4.7% في 2025، في حين سيبقى الإنفاق الحكومي العام عند مستوى مرتفع، يصل إلى 44.2% من الناتج خلال العام الجاري.

الإنفاق العسكري يزاحم الإنفاق المدني

ويحذر التقرير من أن استمرار الإنفاق العسكري المرتفع سيقلص الحيز المالي المتاح للحكومة، خصوصًا أن الإنفاق المدني في إسرائيل منخفض أصلًا مقارنة بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ما قد يؤدي إلى مزاحمة الاستثمارات المطلوبة في البنية التحتية والتعليم وبرامج سوق العمل.

ويدعو صندوق النقد إلى مسار تدريجي وموثوق لضبط المالية العامة وإعادة بناء الاحتياطات المالية، مشيرًا إلى أن أي تعديل مالي يجب أن يعتمد أساسًا على زيادة الإيرادات وتحسين كفاءة الإنفاق، لا على تقليص الإنفاق المدني الحيوي.

ويوصي الصندوق بخفض عجز الحكومة المركزية إلى نحو 2.5% من الناتج خلال السنوات الثلاث المقبلة، معتبرًا أن هذا المسار وحده قادر على وضع الدين العام في اتجاه نزولي على المدى المتوسط، وصولًا إلى 65% من الناتج في منتصف الثلاثينيات و60% بحلول عام 2040.

وبحسب التقرير، فإن عدم اتخاذ خطوات إضافية سيبقي الدين العام في مسار صاعد ليصل إلى نحو 74% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031، في ظل بقاء الإنفاق الدفاعي والفوائد عند مستويات مرتفعة.

ضرائب إضافية بدل خفض الإنفاق المدني

ويطرح الصندوق سلسلة خيارات لزيادة الإيرادات، بينها إلغاء شريحة ضريبة الدخل الأدنى ودمجها مع الشريحة التالية، ومراجعة الإعفاءات الضريبية، بما يشمل إعفاءات ضريبة القيمة المضافة على الفواكه والخضروات والخدمات السياحية، وإعادة النظر في الامتيازات الضريبية لصناديق الاستكمال وقانون تشجيع الاستثمارات الرأسمالية.

كما يقترح توسيع الضرائب على ما يسميه "العوامل الخارجية السلبية"، مثل البلاستيك أحادي الاستخدام والمشروبات المحلاة، إضافة إلى رفع ضريبة القيمة المضافة، التي يرى الصندوق أنها ما زالت منخفضة مقارنة بدول أخرى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

في المقابل، يشير التقرير إلى ضرورة إجراء مراجعة شاملة للنظام الضريبي الإسرائيلي، بما يشمل الامتيازات الضريبية، من أجل تحسين البساطة والكفاءة والعدالة، إلى جانب مراجعة الإنفاق الجاري وتوجيه الموارد نحو التعليم والبنية التحتية وسياسات سوق العمل.

سوق العمل تحت ضغط الاحتياط والعمال الفلسطينيين

ويولي التقرير أهمية خاصة لسوق العمل، معتبرًا أن تجنيد قوات الاحتياط وتراجع العمالة الفلسطينية والأجنبية شكّلا عامل ضغط مركزيًا على الاقتصاد منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، خصوصًا في قطاع البناء الذي تأثر بفقدان العمال الفلسطينيين وتعثر استبدالهم بعمال أجانب.

وبحسب الصندوق، أدى تجنيد الاحتياط والنزوح الداخلي وفقدان العمال الفلسطينيين إلى تقليص عرض العمل بشكل كبير في الربع الأخير من 2023، قبل أن يتعافى تدريجيًا خلال عامي 2024 و2025 مع عودة جزء من جنود الاحتياط واستبدال بعض العمال الفلسطينيين بعمال أجانب. ومع ذلك، بقي سوق العمل مشدودًا حتى مطلع 2026.

ويرى التقرير أن ضعف المشاركة في سوق العمل ومستويات المهارة لدى مجموعات سكانية معينة، خصوصًا الرجال الحريديم والعرب في الداخل، يشكل عائقًا بنيويًا أمام النمو. ويدعو إلى زيادة مشاركة هذه المجموعات في سوق العمل، وتحسين التعليم والمهارات والبنية التحتية في المجتمع العربي، وفرض مناهج أساسية تشمل الرياضيات والعلوم والإنجليزية في مدارس الحريديم.

التضخم والطاقة والشيكل

ويتوقع صندوق النقد أن يرتفع التضخم مؤقتًا في إسرائيل خلال 2026، بفعل أسعار الطاقة العالمية وقيود العرض، رغم ارتفاع قيمة الشيكل الذي ساعد في احتواء جزء من الضغوط السعرية. ويتوقع التقرير أن يرتفع التضخم السنوي من 1.9% في الربع الأول من 2026 إلى 2.5% في الربع الأخير، قبل أن يعود إلى نحو 2% في نهاية 2027.

ويشير التقرير إلى أن بنية الطاقة في إسرائيل تخفف أثر صدمات الطاقة العالمية، إذ يشكل الغاز الطبيعي المحلي نحو 45% من مزيج الطاقة، بينما يشكل النفط 37%. لكن أكثر من 90% من النفط والمنتجات المكررة مستوردة ومسعرة عالميًا، ما يجعل قطاع النقل الأكثر تعرضًا لارتفاع أسعار الطاقة.

وبحسب صندوق النقد، ارتفعت أسعار البنزين 12.5% في نيسان/ أبريل على أساس شهري، نتيجة صدمات الأسعار العالمية، فيما قد يؤدي اضطراب أعمق وأطول في أسواق الطاقة إلى إضعاف النمو ورفع التضخم بصورة أكبر.

مخاطر العقارات والبنوك

ورغم تأكيد الصندوق أن الجهاز المصرفي الإسرائيلي ما زال مربحًا وذا سيولة ورأس مال كافيين، فإنه يحذر من انكشاف كبير للبنوك على قطاع العقارات، في وقت يشهد فيه سوق الإسكان تباطؤًا في الأسعار والصفقات.

ويشير التقرير إلى أن الائتمان المصرفي للعقارات تجاوز نصف إجمالي الائتمان بحلول تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وأن التعثرات، خصوصًا بين شركات البناء، ارتفعت مع زيادة المخصصات، رغم بقاء القروض المتعثرة عمومًا دون 1%.

كما يحذر الصندوق من اعتماد متزايد على صفقات البيع المسبق وتمويلات المطورين العقاريين، بما في ذلك قروض "بالون" التي تمنح المشترين فترة تأجيل كبيرة قبل السداد. ووفق التقرير، ارتفعت حصة هذه القروض من نحو 5% من القروض السكنية الجديدة مطلع 2022 إلى أكثر من 20% في أواخر 2024، قبل أن تتراجع إلى نحو 15%.

ويرى الصندوق أن هذه الصيغ التمويلية تمنح المطورين سيولة فورية، لكنها تنقل مخاطر الفائدة وإعادة التمويل إلى الأسر، وقد تضخم النشاط المضاربي وتزيد حساسية سوق الإسكان للصدمات.

سيناريو أسوأ: نمو أبطأ ودين أعلى

ويضع صندوق النقد سيناريو سلبيًا يقوم على تجدد أو اشتداد الأعمال العسكرية، إلى جانب ركود عالمي حاد نتيجة اضطرابات أطول في أسواق السلع والطاقة. وفي هذا السيناريو، يتباطأ النمو إلى 2.75% في 2026 و1.5% في 2027، فيما يرتفع الإنفاق العسكري إلى 9% من الناتج، ويتسع العجز العام إلى 7.5% في 2027 إذا لم تُتخذ إجراءات مالية إضافية.

وفي المقابل، يشير الصندوق إلى سيناريو إيجابي مشروط بانتقال وقف إطلاق النار إلى استقرار إقليمي أوسع وتوسيع "اتفاقيات أبراهام"، ما قد يفتح روابط تجارية واستثمارية جديدة، ويتيح تسريحًا واسعًا للاحتياط وتخفيف قيود سوق العمل. غير أن التقرير يوصي، حتى في هذا السيناريو، بتوجيه أي "عوائد سلام" نحو التعليم والبنية التحتية والإصلاحات الداعمة للنمو، إلى جانب استمرار ضبط المالية العامة.

اقتصاد صامد لكن مثقل بالكلفة

في خلاصته، يصف صندوق النقد الاقتصاد الإسرائيلي بأنه أظهر "مرونة" في مواجهة صدمات متكررة، لكنه يؤكد أن كلفة الحروب والتوترات الإقليمية باتت تضغط على النمو والدين وسوق العمل والمالية العامة، وأن استمرار الإنفاق العسكري المرتفع سيجعل الإصلاحات الضريبية والبنيوية أكثر إلحاحًا.

وبذلك، يرسم التقرير صورة اقتصاد لم ينهَر تحت وقع الحرب، لكنه لم يعد إلى مساره السابق أيضًا؛ اقتصاد ينمو بوتيرة أضعف، ويدخل مرحلة عجز ودين أعلى، بينما تتزاحم متطلبات الأمن مع الحاجة إلى الاستثمار المدني والإنتاجية وسوق عمل أوسع.