أسواق وبورصات على أهواء ترامب.. نتيجة طبيعية أم تلاعب وفساد لجني المكاسب؟

زمن برس، فلسطين: السؤال مشروع جداً عما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقصد التلاعب بمؤشرات الأسواق المالية لمصالح ما لا يراها الناس العاديون، لا سيما بعد الانعطافات الحادة التي أصابت ردهات التداول مع بداية الأسبوع يوم الاثنين، وهو سؤال يلمس الفرق بين التأثير الطبيعي للمواقف السياسية في الأسواق والتلاعب المتعمّد (market manipulation)، خصوصاً أن إعلان ترامب تأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية خمسة أيام بسبب ما وصفها بـ"محادثات إيجابية مع إيران"، أدى مباشرةً إلى ارتفاع الأسهم وانخفاض أسعار النفط وبعض تكاليف الاقتراض بالدولار، وهذا يثبت أن قراره أثّر بقوة في الأسواق العالمية.
لكن الإجابة عن السؤال لا بد أن تأخذ في الحسبان أنه لا يوجد بعد أي دليل علني أو رسمي على أن أي تلاعب متعمّد، لا سيما أن قرارات الحرب أو التهدئة بطبيعتها تؤثر في الأسواق، خصوصاً النفط، فكيف والحال أن الخليج هو مسرح الحرب، فضلاً عن أن رؤساء الدول يملكون صلاحية اتخاذ قرارات عسكرية ودبلوماسية حتى لو أثّرت اقتصادياً، وإن مصادفة. إلا أن اعتبار انعكاس المواقف "تلاعباً" لا بد من أن يقترن بإثبات وجود نية مسبقة للتأثير في السوق، ووجود استفادة مالية مباشرة أو عبر أطراف مرتبطة، وهذه العناصر لم تُثبت حتى الآن، لكن شكوك التلاعب تبقى لها سوابق وأساسات.
شبهات تلاعب ترامب تجد أساساً لها
لا يمكن لأحد حتى الساعة تأكيد ما إذا كانت ثروات ترامب أو محسوبين عليه قد استفادت من تصريحاته، لكن هذا الجانب يستدعي ملاحظة أن الأسواق تحرّكت بشكل كبير بعد تصريحاته أول من أمس الاثنين، حيث هبط سعر برميل النفط مباشرة، بنسبة كبيرة وصلت إلى 13%، فيما قفزت مؤشرات الأسهم، مثل داو جونز وستاندرد أند بورز 500 بشكل ملحوظ، ما يعني مكاسب ضخمة لحامليها، وهذا مؤكد ومدعوم بكل التقارير.
هل استفاد ترامب شخصياً أو مقربون منه؟ لا يوجد دليل مباشر، إذ لا تتوافر تقارير موثوقة تفيد بأنه حقق أرباحاً مباشرة من قراره، أو أن شركاته قامت بصفقات مرتبطة به، كما لا توجد أي تحقيقات رسمية أو بيانات مالية تثبت أرباحاً غير طبيعية مرتبطة بمصالحه.
وبالتالي، لا يوجد إثبات على زيادة ثروته بسبب هذا الحدث تحديداً. ولكن ثمة شبهات أو مؤشرات مقلقة على هذا الصعيد، لأن تقارير رصدت صفقات ضخمة قبل نحو ربع ساعة فقط من إعلان ترامب إرجاء ضرب منشآت الطاقة الإيرانية، إذ رُصدت تداولات نفطية ناهزت قيمتها 580 مليون دولار، وهذا ما يثير سؤالاً خطيراً، ما إذا كان هناك من يعلم بالأمر مسبقاً. رغم ذلك، لا يوجد دليل يربط هذه الصفقات بترامب أو دائرته.
وفي هذا الصدد، أوردت صحيفة تايمز أوف إنديا، الثلاثاء، تحت عنوان "هل كان أحد في سوق النفط على علم بأن ترامب على وشك نشر تحديث حول المحادثات المثمرة مع إيران؟"، أن "متداولين فتحوا مراكز بقيمة تقارب نصف مليار دولار في سوق النفط قبل حوالي 15 دقيقة من نشر ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي منشوره. وبعد دقائق من تحديث الرئيس، انخفضت أسعار النفط الخام بشكلٍ حاد، وزادت تقلبات أسعار بقية الأصول.
واستندت الصحيفة إلى تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز كشفت فيه تداول حوالي 6200 عقد آجل مرتبط بخام برنت وخام غرب تكساس الوسيط بين الساعة 6:49 صباحاً و6:50 صباحاً بتوقيت نيويورك يوم الاثنين. وجاء هذا النشاط قبل وقت قصير من رسالة ترامب على منصة "تروث سوشال" أن "محادثات مثمرة" مع طهران جرت في الأيام الأخيرة بهدف إنهاء الصراع. وقُدّرت القيمة الاسمية الإجمالية لهذه الصفقات بمبلغ 580 مليون دولار.
وكان لافتاً أن إعلان ترامب في الساعة 7:04 صباحاً، قد أشعل موجة بيع واسعة في أسواق الطاقة العالمية، بينما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد أند بورز والأسهم الأوروبية مع تقليل المستثمرين توقعاتهم باستمرار الصراع في الشرق الأوسط.
"صفقات موفقة".. ليست المرّة الأولى
بهذا المعنى، تفيد الصحيفة بأن توقيت هذه الصفقات يُشابه حالات سابقة في الأشهر الأخيرة، إذ وُضعت رهانات كبيرة ومربحة للغاية على منصة التنبؤات "بولي ماركت" قبيل تحركات عسكرية أميركية تشمل إيران وفنزويلا. وفي هذا الصدد تنقل "فايننشال تايمز" عن أحد استراتيجيي السوق في شركة وساطة أميركية، إشارته إلى صفقات، يوم الاثنين، وقوله إن "من الصعب إثبات السببية، لكن لا بد من التساؤل عن الجهة التي كانت ستُقدم على بيع العقود الآجلة في ذلك الوقت، قبل 15 دقيقة من منشور ترامب".
وأشار المشاركون في السوق إلى أن هذه الحادثة واحدة من عدة حالات في الأشهر الأخيرة شهدت صفقات كبيرة قبل وقت قصير من إعلانات رسمية من الحكومة الأميركية. وقال متداول في صندوق تحوط رائد إن مستشاري الطاقة لاحظوا في الآونة الأخيرة صفقات عديدة كبيرة بدت وكأنها تمت في توقيت غير معتاد.
وفي هذا السياق، أشار مدير محفظة استثمارية آخر إلى أن نمطاً من الصفقات الكبيرة والمُؤقّتة بدقة قد أدى إلى "مستوى من الإحباط" بين المستثمرين. وأضاف: "بحسب خبرتي في متابعة الأسواق على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، فإن هذا الوضع غير طبيعي على الإطلاق. إنه صباح يوم الاثنين، ولا توجد بيانات مهمة اليوم، ولا يوجد متحدثون من مجلس الاحتياطي الفيدرالي يُنصح بالتداول بناءً على معلومات داخلية. إنها صفقة ضخمة بشكل غير معتاد ليوم خالٍ من أي مخاطر محتملة. لقد ازداد ثراء أحدهم بشكل كبير".
تجدر الإشارة إلى أن ثمة نمطاً متكرراً في السوق يسمى "تاكو ترايد" (TACO trade)، يقوم على أن مستثمرين يراهنون على أن ترامب المعروف بمزاجيته وتقلباته، عندما يهدّد تهبط الأسواق، ثم يتراجع أو يؤجل فتعود المؤشّرات إلى الارتفاع. وهذا النمط صار معروفاً جيداً في أروقة "وول ستريت". لكن يمكن اعتبار ذلك استغلال سلوك سياسي متكرّر وليس دليلاً على تلاعب أو تنسيق في الخفاء. لكن يمكن رصد استفادة شركات أميركية بشكل عام، باعتبار أن بعض القطاعات استفادت فوراً، مثل قطاع التكنولوجيا، مع صعود أسهم "إنفيديا" (Nvidia) و"أمازون" (Amazon)، وكذلك قطاع الطيران والسياحة، لأن انخفاض سعر النفط يقلل تكاليف التشغيل بطبيعة الحال. بيد أن هذه استفادة طبيعية ضمن حركة السوق وليست دليلاً على تواطؤ أو فساد.
في المحصلة، تجد اتهامات التلاعب طريقها في إطار تحليلات أو مواقف سياسية لا ترقى إلى مستوى أدلة. فبعض الروايات، خصوصاً من الجانب الإيراني الذي نفى وجود مفاوضات مع واشنطن أصلاً، تقول إن التصريحات تهدف إلى خفض أسعار الطاقة وكسب الوقت، لكن هذا التحليل سياسي، وليس دليلاً قانونياً على تلاعب مالي صريح. ففي منشور على "إكس"، في وقت لاحق من يوم الاثنين، نفى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف مزاعم إجراء أي محادثات بين واشنطن وطهران، ما أدى إلى تراجع أسواق الأسهم العالمية وتجدّد الاهتمام بالشراء في أسواق الطاقة. وقال: "تُستخدم الأخبار الكاذبة للتلاعب بالأسواق المالية وأسواق النفط والهروب من المأزق الذي وقعت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل".
ومع ذلك، لا توجد تقارير موثوقة عن صفقات "تبادل على أساس معلومات داخلية" (insider trading) مرتبطة بترامب، أو تحقيقات رسمية من الجهات الرقابية، مثل هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، تثبت استغلال القرار مالياً، علماً أن التحقيق عادة في حال ظهور تداول غير طبيعي قبل الإعلان السياسي، أو ارتباط بأشخاص داخل دوائر القرار.




