الدولار في زمن الحروب... هل هو الملاذ الآمن؟

الدولار في زمن الحروب... هل هو الملاذ الآمن؟

زمن برس، فلسطين:  حين تندلع الحرب تسود حالة من الفوضى والضبابية، ويُسارع المستثمرون والمواطنون إلى التساؤل: كيف يمكن التصرف بمدخراتي، وما الملاذات الآمنة التي يمكن أن تساعد في التحوط؟ في الغالب، تقفز إلى الذهن خيارات تقليدية مثل المعادن النفيسة، وفي مقدمتها الذهب، أو العملات الصعبة، وعلى رأسها الدولار؛ فهل ما زالت هذه الخيارات هي الأمثل مع كل التحولات التي يشهدها العالم والتقلبات التي تشهدها العملات؟

تاريخياً، أرست اتفاقية بريتون وودز عام 1944 الدولار عملةً احتياطية عالمية مرتبطة بالذهب. ومنذ أن فكَّ الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، هذا الارتباط عام 1971، بات الدولار يستمد قوته من الثقة بالمؤسسات المالية الأميركية وأسواقها المالية المفتوحة، وبات المستثمرون يهربون تلقائياً إلى الدولار وسندات الخزينة.

فهي، أي أميركا، القوة العسكرية والاقتصادية الأولى عالمياً، واقتصادات العالم عادة ما تتبعها. لكن هذه المعادلة تشهد تغييرات عميقة، ليس أقلها الاستدارة الداخلية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فمبدأ "أميركا أولاً" يعني وضع المصالح الأميركية في مرحلة متقدمة دونما اعتبار لأي تداعيات على بقية اقتصادات العالم الشريكة اقتصادياً للولايات المتحدة، والضغط الكبير الذي يمارسه الرئيس ترامب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) من شأنه تقويض مبدأ الثقة بالمؤسسة النقدية في الولايات المتحدة الذي يعتبر ركيزة أساسية في التوجه نحو الأسواق الأميركية بعد الفكاك من ربط الدولار بالذهب.

لهذه الأسباب، فإن سلوك سعر صرف الدولار مع اندلاع الحروب لم يعد يعكس المفهوم التقليدي للملاذ الآمن، بل سجل تراجعات لافتة على سبيل المثال في الأشهر الأولى من الحرب الروسية الأوكرانية، كذلك الأمر تراجع بأكثر من 5% في أعقاب المواجهة المحدودة الأولى ما بين إيران وإسرائيل في يونيو/ حزيران 2025.

ومن الواضح أن ما يحرك الطلب على الدولار وقيمته مقابل العملات الأخرى هو معالم السياسة النقدية في الولايات المتحدة وأداتها الرئيسية المتمثلة بسعر الفائدة. علي سبيل المثال، حين أعلن الرئيس ترامب رسوماً جمركية شاملة – أسماه يوم التحرير، سلك الدولار عكس سلوك الملاذ الآمن التقليدي تماماً، إذ انخفضت قيمته، وارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل، وتراجعت الأسهم الأميركية بأكثر من 10% في أيام معدودة. هذا يعني أن الدولار بات حساساً للقرار السياسي الأميركي ذاته، لا فقط للصراعات الخارجية.

ولعل الرقم الأبرز شراء البنوك المركزية أكثر بقليل من 1000 طن من الذهب عام 2024، وتبعه بزخم أقل عام 2025، وهو ما يعتبر تصويتاً مؤسسياً صريحاً بأن الدولار لم يعد الملاذ الآمن. وتزامناً مع هذا التراجع النسبي لأهمية الدولار، نلاحظ صعوداً، وإن كان بوتيرة متباطئة، لليوان الصيني، حيث بات يحتل مكانة متنامية في التبادلات، وبخاصة بين دول منظمة شنغهاي للتعاون. ففي عام 2025 شكل التعامل بالعملات المحلية أكثر من 95 في المئة من تبادلات تلك الدول بعيداً عن الدولار.

وتدريجياً، تحولت تسويات النفط نحو اليوان، وهو ما يعني تخفيف أثر البترو - دولار الذي أجبر تاريخياً الكثير من الدول على الاحتفاظ بالدولار لتمويل مشترياتها من النفط. بالإضافة إلى التحولات أعلاه، هناك العديد من الأسباب لتداعي الثقة بالدولار عملة ملاذ آمن، وترتبط ببعض الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الأميركي التي تجعل الثقة التقليدية بسندات الخزانة الأميركية والدولار بوصفهما ملاذين آمنين تتآكل. يأتي في مقدمة العوامل، إعادة رسم خريطة السياسة التجارية الأميركية عالمياً وما سينجم عنها.

وهناك تحديات أمام البنك الفيدرالي الأميركي في ما يتعلق بالمديونية الأميركية التي تجاوزت 38.7 تريليون دولار. كذلك تنظر العديد من الدول بقلق إلى توظيف الدولار سلاحاً ضد الخصوم السياسيين بما يمكن وصفه بـ"عسكرة الدولار"، من خلال تجميد أصول بعض الدول مثل روسيا وإيران وغيرها في أوقات مختلفة. هذا إلى جانب وجود بدائل أقل مخاطرة مثل الذهب واليوان الصيني والفرنك السويسري أو سوق السلع عموماً، وهو ما يفسر صعود أسعار المعادن إلى أرقام قياسية خلال العامين الماضيين. في منطقتنا، تأخذ العلاقة بين الدولار والحروب بُعداً مختلفاً. فالنفط يُسعَّر بالدولار، وأي اشتعال في المنطقة يرفع أسعار النفط ويضخ دولارات في خزائن الدول المنتجة. لكن الأثر يتوزع بشكل غير متكافئ.

فالدول المستوردة تعاني من فاتورة طاقة مرتفعة مثل مصر والأردن والمغرب، فيما تستفيد بعض دول الخليج المصدرة للنفط، لكن أضرار الحرب وكلف الأمن والدفاع والتأمينات ترتفع بشكل كبير، وفي المحصلة لا يمكن الحديث عن فوائد ارتفاع الأسعار بمعزل عن التداعيات الجيوسياسية وتداعي مناخات الثقة في الاستثمار والنظرة المستقبلية.

في الخلاصة، لا يزال الدولار العملة الاحتياطية الأولى عالمياً، ولا يوجد في الأفق القريب بديل جاهز لملء الفراغ، لكن الثقة به باتت مشروطة بمدى استقلالية البنك الفيدرالي الأميركي وعدم استخدامه سلاحاً في الصراعات العالمية إلى جانب توفير إطار مستقر للسياسات الاقتصادية والتجارية في أميركا. وهنا لا بد من التفريق بين من يرغب في الاحتفاظ بالدولار لتجنب التذبذبات أو لغايات الاستثمار وتحقيق العوائد على المدى القصير، إذ من شأن الإجابة عن هذا التساؤل المساعدة في رسم استراتيجيات المستقبل للعملة الأهم عالمياً التي أصبحت غير قابلة للتنبؤ بمسارها بسبب القائمين عليها.