تزامنًا مع العدوان على إيران.. الاحتلال يحول قرى الضفة ومدنها إلى سجون مغلقة

زمن برس، فلسطين: دخلت المدن والقرى في الضفة الغربية مرحلة جديدة من الإغلاق والتشديد منذ بدء العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، ما أعاد إلى الأذهان مشاهد الحصار الشامل خلال الانتفاضات السابقة.
أكد مصطفى البرغوثي أن تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية عبر هذه الإغلاقات يمثل عمليًا "فرض منع تجول" بين المحافظات والمدن، محذرًا من تداعيات إنسانية واقتصادية تمس أبسط مقومات الحياة اليومية للسكان
بوابات حديدية مغلقة، وحواجز عسكرية نُصبت على مداخل القرى، وطرق رئيسية قُطعت بالكامل، في مشهد حوّل التجمعات السكانية الفلسطينية إلى "سجون"، وأدخل الحياة اليومية في حالة شلل شبه تام، وفق وصف مسؤولين محليين وحقوقيين.
دوما: إسعاف على بوابة حديدية
في قرية دوما جنوب شرق نابلس، لم يتمكن أبناء المسنة "أم أحمد" (86 عامًا) من إخراجها إلى المستشفى بعد إصابتها بجلطة دماغية، إلا بعد ساعات طويلة من الانتظار والتنسيق، جراء إغلاق جيش الاحتلال كافة مداخل القرية منذ يوم السبت الماضي.
روى رئيس مجلس قروي دوما سليمان دوابشة لـ"الترا فلسطين" تفاصيل الحادثة موضحًا أن المجلس القروي اضطر للتواصل مع الارتباط الفلسطيني و"الصليب الأحمر" وإرسال صورة للمريضة ومرافقها وصور الهويات الشخصية، حتى سمح الاحتلال بوصول سيارة إسعاف إلى الجهة الأخرى من البوابة الحديدية المقامة على المدخل الرئيسي للقرية، حيث نُقلت إلى سيارة إسعاف أخرى عند البوابة.
تشير هذه الحادثة إلى الحصار المطبق الذي تعيشه القرية منذ بدء العدوان على إيران. فيقول دوابشة إن لدوما ثلاثة مداخل، أغلق الاحتلال اثنين منها منذ بدء حرب الإبادة على غزة، وأبقى على المدخل الرئيسي خاضعًا لبوابة حديدية يتحكم بها الجنود، وقد أُغلقت بالكامل منذ يوم السبت.
ونتيجة انقطاع أي تواصل بين دوما والقرى الفلسطينية الأخرى، يعيش السكان حالة قلق شديد، مع بدء نفاد المواد التموينية والخضار، خصوصًا في شهر رمضان.
ويؤكد دوابشة أنهم اضطروا إلى تجميع مرضى غسيل الكلى في سيارة واحدة والتنسيق لخروجهم، في حين لم يتمكن العديد من العمال والموظفين والطلبة من مغادرة القرية منذ عدة أيام.
كما لم يسمح الاحتلال بدخول سيارة تقل أسطوانات غاز الطهي إلى القرية، ما يفاقم الأزمة المعيشية ويزيد الضغط على الأهالي.
"سجون مغلقة" في الضفة
يصف أمين عام المبادرة الوطنية مصطفى البرغوثي الوضع الراهن في الضفة الغربية بأنه أشبه بـ"سجون مغلقة"، جراء إغلاق الجيش الإسرائيلي لمئات الحواجز والمعابر، ما أدى إلى شلل في الحركة وأضرار جسيمة بالخدمات الحيوية والاقتصاد المحلي.
وفي بيان صحفي صدر الاثنين، أكد البرغوثي أن تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية عبر هذه الإغلاقات يمثل عمليًا "فرض منع تجول" بين المحافظات والمدن، محذرًا من تداعيات إنسانية واقتصادية تمس أبسط مقومات الحياة اليومية للسكان.
وأوضح أن الإغلاق الشامل الذي فرضته القوات الإسرائيلية يتسبب في "شلل خطير" للخدمات الصحية والتعليمية، ويعطل التواصل الاجتماعي بين المدن والبلدات والقرى، مشيرًا إلى أن العديد من التجمعات السكانية أصبحت معزولة تمامًا، ما يحرم سكانها من الوصول إلى المستشفيات والمدارس في ظل استمرار القيود منذ أيام.
ومنذ بدء الحرب على إيران، أعلنت الجامعات والمدارس ورياض الأطفال التحول إلى التعليم الإلكتروني، جراء الإغلاقات وصعوبة تنقل الطلبة والكوادر التعليمية.
وكانت إسرائيل أعلنت، السبت، إغلاق كافة المعابر في الأراضي الفلسطينية، بما يشمل جميع الفلسطينيين باستثناء الحاصلين على تصريح "عامل حيوي"، عبر معابر معينة لم يُحددها الإعلان.
أكثر من ألف بوابة
السائق عبد الرحمن عطيات، المختص بمتابعة أوضاع الطرق في الضفة الغربية، يقول إن قوات الاحتلال نصبت منذ السابع من أكتوبر أكثر من ألف بوابة حديدية على مداخل القرى والبلدات والمدن الفلسطينية.
ويضيف في تعقيب لـ "الترا فلسطين"، أنه منذ بدء الحرب على إيران، جرى إغلاق غالبية هذه البوابات، مع نصب حواجز عسكرية عليها، ما أثّر بشكل مباشر على حياة المواطنين والسائقين.
ويوضح عطيات أنه بعد إعادة فتح معبر الكرامة ووصول مسافرين من الخارج، لم يسمح الاحتلال لهم بالخروج من أريحا إلا عبر "البوابة الصفراء"، وهي المدخل الشرقي للمدينة، في حين أُغلقت بقية المداخل.
وعلى هذه البوابة، يرفض جنود الاحتلال خروج من يحمل هوية عنوانها أريحا، فيُمنع السائق "ابن أريحا" من المغادرة بينما يُسمح للركاب، ما يدفع السائقين إلى سلوك طرق جبلية وعرة باتجاه قرية العوجا وصولًا إلى المعرجات، عبر طريق تُعرف باسم "العوسج".
ويؤكد أن سلوك هذه الطرق البديلة بين القرى وصولًا إلى الوجهة النهائية يتطلب جهدًا كبيرًا ووقتًا أطول ومصاريف إضافية على المحروقات، فضلًا عن إهدار الوقت خلال شهر رمضان، وما يرافق ذلك من احتقان وتوتر.
ويضيف أن هذه الإغلاقات دفعت الكثير من المواطنين إلى الامتناع عن الخروج من قراهم وبلداتهم إلى أماكن عملهم في المدن، بينما يضطر آخرون للخروج في ظل الظروف المعيشية الصعبة، وقد يبيتون خارج منازلهم في ورش البناء أو مواقع العمل.
تعطيل الحياة اليومية
يقول الناطق الإعلامي باسم نقابة النقل العام عبد الرحيم حوشية إن الاحتلال أغلق مداخل المدن، وكذلك مداخل القرى والبلدات والطرق الواصلة بينها، ما اضطر سيارات النقل العمومي والمركبات الخاصة إلى سلوك طرق بديلة في الجبال.
ويؤكد في تعقيب لـ"الترا فلسطين" أن هذا الإغلاق ينعكس سلبًا على حياة المواطنين في مختلف مناطق الضفة الغربية، ويؤدي إلى تعطيل الحياة اليومية، نتيجة ما يصفه بـ"التنكيل" على الحواجز.
ويضيف أن حكومة الاحتلال تعمل، بحسب قوله، بشتى السبل للتنكيل بأبناء الشعب الفلسطيني، خصوصًا خلال حرب الإبادة على غزة وما تلاها من إجراءات انتقامية، مشيرًا إلى أن الاحتلال "منذ 7 أكتوبر يتفنن في إذلال المواطنين الفلسطينيين على الطرقات والحواجز"، وأن ما يجري على المستوى الإقليمي، يُستغل أيضًا للتنكيل بالشعب الفلسطيني.
وتتوالى الاعتداءات الإسرائيلية على الضفة الغربية منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، بما يشمل عمليات قتل واعتقال وتهجير وتوسع استيطاني، في سياق فرض وقائع جديدة على الأرض.
وأسفرت تلك الاعتداءات عن استشهاد أكثر من 1118 فلسطينيًا، وإصابة نحو 11 ألفًا و700 آخرين، إضافة إلى اعتقال نحو 22 ألف فلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس، في ظل استمرار الإغلاقات والتشديدات التي تعمّق عزلة المدن والقرى، وتحولها فعليًا إلى ما يشبه السجون المفتوحة.




