قراءة إسرائيلية: المفاوضات الأميركية الإيرانية تمهيد للعمل العسكري

زمن برس، فلسطين: تتحرك إسرائيل وفق قناعة متزايدة بأن الهجوم الأميركي على إيران بات مسألة وقت، وأن المفاوضات الأميركية الإيرانية لا تشكل سوى مرحلة تمهيدية تسبق المواجهة العسكرية. ووفق هذا التصور، تخدم هذه المفاوضات هدفين رئيسيين: أولاً، إتاحة الوقت أمام واشنطن لاستكمال التحضيرات العسكرية اللازمة، سواء على مستوى القدرات الهجومية أو الدفاعية، وثانياً، بناء سردية سياسية توفر شرعية داخلية لأي تحرك عسكري محتمل، من خلال الادعاء بأن الإدارة الأميركية استنفدت جميع الوسائل الدبلوماسية قبل اللجوء إلى القوة.
المفاوضات الأميركية الإيرانية من وجهة نظر إسرائيل
وتعكس التحليلات الإسرائيلية، إلى جانب تحركات المؤسسة العسكرية وتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قناعة راسخة بأن الفجوة في المفاوضات الأميركية الإيرانية بين مطالب إدارة الرئيس دونالد ترامب من جهة، وشروط طهران ومواقفها من جهة أخرى، عميقة إلى حدّ يستحيل معه ردمها عبر التفاوض.
تخشى إسرائيل من أن أي رفع للعقوبات، سيتيح للنظام الإيراني مواصلة إعادة التسلح وتعزيز قدرات أذرعه الإقليمية
ويستحضر الإعلام الإسرائيلي سلوك ترامب خلال حرب "الأيام الـ12" في يونيو/حزيران الماضي، حين أعلن أنه سيمنح فرصة للمفاوضات، وأنه سيحسم خلال أسبوعين ما إذا كان سيتجه إلى الخيار العسكري ضد إيران؛ غير أنه أقدم، بعد ثلاثة أيام فقط من ذلك التصريح، على قصف المفاعلات النووية الإيرانية، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على أن المسار الدبلوماسي لا يستبعد اللجوء السريع إلى القوة العسكرية.
من خلال متابعة تحليلات الإعلام الإسرائيلي ومواقف نتنياهو والقيادات العسكرية، يمكن الاستنتاج أن الولايات المتحدة تفاوض إيران إلى حدٍّ بعيد وفق الشروط الإسرائيلية. فإسرائيل تنظر إلى هذه المفاوضات الأميركية الإيرانية بوصفها استكمالاً لما بدأته ولم تُنجزه في حربها على إيران خلال الصيف الماضي. من هذا المنظور، تسعى إسرائيل في المفاوضات الأميركية الإيرانية إلى فرض استسلام إيراني كامل لشروطها، يتجاوز المسألة النووية ليطاول جوانب متعددة من السيادة الإيرانية، عسكرية ودبلوماسية، بما في ذلك إعادة صياغة علاقات طهران مع حلفائها في المنطقة. هذا الموقف يلقى إجماعاً واسعاً داخل إسرائيل.
أوضح الجنرال المتقاعد عاموس يادلين، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي والرئيس السابق لمعهد دراسات الأمن القومي، في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، مساء الثلاثاء الماضي، أن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران سيكون اتفاقاً سيئاً بالنسبة لإسرائيل. لكنه أضاف في الوقت ذاته قناعته بأن الرئيس دونالد ترامب لن يوافق على اتفاق "سيئ" يستجيب، ولو جزئياً، لشروط إيران ومطالبها. ولا يعبّر يادلين عن رأي شخصي فحسب، بل يعكس توجّهاً واسعاً داخل دوائر صنع القرار الأمني والسياسي في إسرائيل. فهو يشغل حالياً منصب مدير مركز أبحاث "مايند إسرائيل" الذي يقدّم، بحسب تعريفه على موقعه الإلكتروني، استشارات أمنية وعسكرية واستراتيجية للمؤسسات الأمنية في إسرائيل، ما يمنح مواقفه وزناً يتجاوز البعد التحليلي، إلى التأثير في النقاشات وصياغة التقديرات الاستراتيجية.
وأشارت مقالة مشتركة للباحثين سيما شاين وأوديد شافيط، المتخصصين في الشأن الإيراني بمعهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب (4 فبراير/شباط الحالي)، إلى تقدير مماثل. وكان الباحثان قد شغلا سابقاً مناصب في وحدات بحثية تابعة لجهاز الموساد الإسرائيلي وشعبة الاستخبارات العسكرية. ورأى شاين وشافيط أنه "يمكن الافتراض أن إيران قد تكون مستعدة لإبداء قدر من المرونة في القضايا النووية، وربما حتى في مسألة تخصيب اليورانيوم، لا سيما في ظل عدم قدرتها عملياً على مواصلة التخصيب بعد استهداف منشآتها النووية في يونيو 2025. غير أنه في ما يتعلق بالمطالب الأخرى، وخصوصاً مطلب تقليص منظومة الصواريخ الباليستية، تؤكد طهران أنها لن تقدّم أي تنازل، كذلك فإن مطلب وقف دعم الحلفاء الإقليميين لا يبدو معقولاً في نظر القيادة الإيرانية، إذ يشكل هذا الدعم جزءاً من الأسس الأيديولوجية للنظام ويرتبط بإمكانات ردعية إضافية".
وبحسب شاين وشافيط، فإن "أي اتفاق يقتصر على الملف النووي، رغم أهميته، لن يعالج، من منظور إسرائيلي، إشكالية الصواريخ الباليستية التي تواصل إيران تطويرها وإنتاجها بوتيرة متسارعة، ولا التحدي المرتبط باستمرار دعمها للمنظومات العسكرية التابعة لحزب الله والمليشيات في العراق واليمن. بل إن أهمية هذه القضايا ستتضاعف إذا ما حصل النظام، مقابل التفاهمات في المجال النووي، على تخفيف ملموس في العقوبات، بما يتيح له مواصلة إعادة التسلح وتعزيز قدرات أذرعه الإقليمية".
كما حذّر "معهد الدبلوماسية والاستراتيجية" في جامعة رايخمان، المعروف بقربه من دوائر صنع القرار في إسرائيل، من أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، مسّلطاً الضوء على ما يعتبره مخاطر مباشرة على الأمن الإسرائيلي. ففي ورقة تحليلية نُشرت في الخامس من الشهر الحالي، عرض المعهد تقديرات تتقاطع إلى حد كبير مع مواقف مراكز بحثية أخرى، لكنه أضاف جملة من المقترحات العملية للتعامل مع ما يصفه بالتهديد الإيراني. وبحسب المعهد، فإن "اتفاقاً بين الولايات المتحدة وإيران يقضي بتفكيك قدرات إيران النووية قد يحمل أهمية كبيرة لإسرائيل، نظراً إلى إسهامه في تقليص تهديد استراتيجي بالغ الخطورة. غير أن مثل هذا الاتفاق ينطوي أيضاً على تحديات جوهرية، أبرزها استمرار جهود النظام الإيراني لإعادة بناء قدراته التقليدية، الهجومية والدفاعية، باعتبارها ركيزة مركزية في أيديولوجيته المتطرفة الداعية إلى تدمير دولة إسرائيل. وعلاوة على ذلك، قد يشكّل أي اتفاق جديد مع النظام الإيراني بمثابة بوليصة تأمين تحول دون شنّ هجمات إسرائيلية إضافية ضده. ومن المرجح أيضاً أن تكون مكاسب للنظام بصيغة تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية". وأضاف المعهد أنه، في ضوء هذه المعطيات، يتعين على إسرائيل بلورة خطة مرجعية محدثة للتعامل مع التهديد الإيراني، منها تعميق الروابط الاستراتيجية مع الحلفاء في المنطقة، باعتبارها عنصر توازن في مواجهة ما يصفه بالمحور الإيراني. وفي هذا السياق، شدّد المعهد على ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى الدفع نحو اتفاق تطبيع تاريخي مع السعودية.
في المجمل، تُجمع مراكز الأبحاث الأمنية والاستراتيجية في إسرائيل على خشيتها من أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من أنها تستبعد الإمكانية للتوصل لمثل هذا الاتفاق بسبب الهوة الواسعة بين الطرفين. هذا الإجماع مشابه إلى حد بعيد مع الموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية والمؤسسة الأمنية.
خفّف نتنياهو أخيراً من تركيزه على مخاطر المشروع النووي الإيراني، مقابل إبراز تهديد الصواريخ الباليستية
الحكومة تدفع باتجاه الحرب
في كلمة ألقاها نتنياهو يوم 15 فبراير الحالي أمام مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية في القدس، استمر بتسليط الأضواء على المفاوضات الأميركية الإيرانية الجارية والقضية الإيرانية، وتوجيه التحذير من أي اتفاق لا يضمن الشروط الإسرائيلية. تطرّق نتنياهو إلى لقائه المغلق مع الرئيس الأميركي هذا الشهر، مشيرا إلى أن "التركيز كان منصبّاً على إيران"، وأن ترامب "مصمّم على استنفاد جميع الفرص المتاحة للتوصل إلى اتفاق، في ظل الظروف الراهنة". وأضاف نتنياهو: "أعربتُ عن تشكّكي في أي اتفاق مع إيران، لأن إيران ثابتة في شيء واحد: الكذب". وتابع أنه في حال التوصل إلى اتفاق، "فيجب أن يتضمن عناصر جوهرية لأمن العالم، وليس أمن إسرائيل فقط"، موضحاً أنه "ينبغي إخراج جميع المواد النووية من إيران، وألّا يُسمح لها بأي قدرة على تخصيب اليورانيوم". وبحسب نتنياهو، يجب كذلك معالجة ملف الصواريخ الباليستية، إضافة إلى تفكيك البنية التحتية الإرهابية التي تقودها إيران، على حدّ تعبيره.
يرسل نتنياهو رسائل عدة بهذه المواقف، وهي لا تقتصر على إيران أو الإدارة الأميركية، بل تمتد أيضاً إلى الداخل الإسرائيلي. إذ يسعى إلى إظهار أي تحرك عسكري أميركي مستقبلي ضد إيران بوصفه ثمرة مباشرة لعلاقاته الشخصية وعمله المكثّف مع ترامب، ولا سيما في ما يتعلق بتشديده على ملف الصواريخ الباليستية وعلاقات إيران مع حلفائها في المنطقة. ومن خلال ذلك، يطمح نتنياهو إلى تحقيق مكاسب سياسية داخلية وربما انتخابية.
الجيش يستعد
تُترجم إسرائيل موقف حكومتها الداعم للخيار العسكري، إلى جانب الإجماع الواسع في مراكز الأبحاث الأمنية والاستراتيجية ووسائل الإعلام، إلى تحضيرات عسكرية مكثفة ينفذها الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية. وأوضح المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل، في أعقاب انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية الإيرانية (17 فبراير)، أن "ثمة تناقضاً بين التصريحات الصادرة من جنيف، ولا سيما من الجانب الإيراني، وبين المزاج السائد في إسرائيل". فبحسب هرئيل، سعت طهران، عقب اختتام الجولة الثانية من المحادثات، إلى تقديم صورة متفائلة عن مسار التفاوض. في المقابل، يلاحظ أن المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية في إسرائيل يعززان استعداداتهما تحسباً لسيناريو تدهور الأوضاع واندلاع مواجهة عسكرية بين الطرفين، قد تنخرط فيها إسرائيل أيضاً.
يستنتج الإعلام الإسرائيلي أن الولايات المتحدة تفاوض إيران إلى حدٍّ بعيد وفق الشروط الإسرائيلية
كما أشار المحلل العسكري في صحيفة معاريف آفي أشكنازي في 17 فبراير، إلى أن "الجيش الإسرائيلي رفع مستوى استعداداته تحسباً لاحتمال تدهور الأوضاع نحو مواجهة عسكرية". ووفقاً للتقديرات الإسرائيلية، فإن المفاوضات الأميركية الإيرانية قد تصل في نهاية المطاف إلى طريق مسدود، بحيث يبقى خيار الضربة العسكرية مطروحاً بصفته البديل الجاهز؟
نتنياهو يستبدل تهديد "النووي" بتهديد الصواريخ
في الأسابيع الأخيرة، بدا أن نتنياهو أعاد ترتيب أولويات الخطاب الأمني الإسرائيلي، فخفّف من تركيزه التقليدي على مخاطر المشروع النووي الإيراني، الذي شكّل محور خطابه منذ عودته إلى رئاسة الحكومة عام 2009، مقابل إبراز تهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية بوصفه الخطر الاستراتيجي الأكثر إلحاحاً، وبات يتعامل مع هذا الملف باعتباره تحدياً مركزياً يتطلب معالجة عاجلة، سواء في سياق المفاوضات الجارية أو في إطار الاستعدادات العسكرية. وإلى جانب الاعتبارات العسكرية، ورغبة إسرائيل في استكمال ما بدأته خلال حربها على إيران الصيف الماضي، يبدو أن نتنياهو بحاجة إلى إبقاء صورة تهديد دائم، واقعي أو مُضخّم، حاضرة في الوعي العام الإسرائيلي، بما يتيح له توظيفها سياسياً وتعزيز موقعه الداخلي.
رفع مستوى التهديد الذي تُمثّله الصواريخ الباليستية الإيرانية ووضعه في صدارة سلّم الأولويات الأمنية الإسرائيلية قد يؤدي إلى تداخل واضح بين الأهداف السياسية لنتنياهو والحاجة المعلنة للتعامل مع هذا التهديد، لا سيما في عام انتخابات. وبهذا المعنى، يُعاد ربط خيار العمل العسكري ضد إيران بمكانته السياسية ووضعه الداخلي، بما قد يزيد من احتمالات لجوء إسرائيل إلى الخيار العسكري، سواء بالشراكة مع الولايات المتحدة أو، إذا رأت ذلك ضرورياً، عبر تحرك منفرد في المرحلة الأولى.
وقد يُنظر إلى توجيه ضربات عسكرية لإيران، مع الأمل في تحقيق نتائج ملموسة تتمثل في إضعاف النظام الإيراني أو إلحاق ضرر كبير بقدراته الصاروخية، باعتباره "صورة النصر" التي لا يزال نتنياهو يبحث عنها، رغم ما يصفه بسلسلة الإنجازات العسكرية التي تحققت منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.




