تراجع التفاؤل الإسرائيلي بقدرة الاحتجاجات على إسقاط النظام الإيراني

تراجع التفاؤل الإسرائيلي بقدرة الاحتجاجات على إسقاط النظام الإيراني

زمن برس، فلسطين:  بعد موجات احتجاج عدّة شهدتها إيران خلال العقدين الماضيين، يبدو أن ما يجري حالياً يختلف من حيث السياق والفاعلون، إذ تُهدِّد الولايات المتحدة وإسرائيل، للمرة الأولى، بالتدخّل بشكل مباشر وعلني دعماً لحركات الاحتجاج، بهدف إضعاف النظام الإيراني. ولا يعني ذلك أن إسرائيل لم تتدخّل في السابق في الشأن الداخلي الإيراني أو في سياق احتجاجات سابقة، غير أن الفارق هذه المرّة يتمثّل في المجاهرة بالتهديدات وتحويلها إلى مواقف علنية. ويعني ذلك أن إسرائيل، وبالتنسيق مع الإدارة الأميركية، باتت تعلن أن هدفها لم يعد يقتصر على مواجهة المشروع النووي الإيراني، أو تقويض القدرات الصاروخية، أو حتى إضعاف المحور الإيراني في المنطقة، بل يتجاوز ذلك إلى السعي لإسقاط النظام الإيراني نفسه. ويشكّل هذا التحوّل تغييراً جوهرياً في الأهداف المعلنة والسياسات المتّبعة تجاه طهران.

لم يأتِ هذا التحوّل مصادفة، بل جاء في سياق التحوّلات العميقة التي شهدتها المنطقة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وعلى خلفية المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران. وبطبيعة الحال، لا يمكن فصل هذا التطوّر عن سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الساحة الدولية، واعتماده المتزايد على استخدام القوة العسكرية لفرض أهداف الولايات المتحدة ومصالحها، كما يراها هو وتحقيقها. ومن بين هذه السوابق، العملية العسكرية التي جرى خلالها اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقد شجّعت هذه الخطوة إسرائيل على رفع سقف تهديداتها تجاه النظام الإيراني في ظل شعورها بتوفّر غطاء سياسي وعسكري أميركي.

وفقًا للتقديرات الإسرائيلية، تراجعت القدرات العسكرية الإيرانية بشكل ملحوظ عقب الحرب في يونيو/حزيران الماضي، ولا سيما بعد استهداف منظوماتها الصاروخية ودفاعاتها الجوية. كما تلقّى حلفاء طهران في المنطقة ضربات موجعة، حدّت من قدرتهم على تقديم دعم فعّال لها، في حال تعرّض النظام الإيراني نفسه لتهديد مباشر يمسّ بقاءه.

الهدف المقبل إضعاف النظام الإيراني

غير أن اللافت، بحسب هذا التصوّر، هو أن الهدف في المرحلة المقبلة قد لا يقتصر على القدرات العسكرية فحسب، بل قد يمتدّ إلى إضعاف النظام الإيراني ذاته. وترى إسرائيل أن معادلة الردع التي سادت بينها وبين إيران حتى السابع من أكتوبر 2023 قد تآكلت، وأن ميزان القوى بات يميل بوضوح لمصلحتها، ما يفسّر انتقالها إلى إطلاق تهديدات علنية بإسقاط النظام الإيراني والمجاهرة بذلك، وربما السعي إلى ترجمة هذه التهديدات على أرض الواقع.

تراجع التفاؤل الإسرائيلي

في الأيام الأولى للاحتجاجات، شكّكت إسرائيل في قدرتها على تهديد النظام الإيراني أو فرض تغيير داخلي ملموس، معتبرة أن الاحتجاجات محدودة من حيث الانتشار الجغرافي وحجم المشاركة، ولا تمتلك أدوات ضغط جدّية على النظام. لاحقاً، تغيّرت نبرة الخطاب الإعلامي والسياسي في إسرائيل، وبدأ تشخيص مفاده بأن استمرار الاحتجاجات، وظهور مؤشرات على اتساعها، قد يحوّلانها إلى عامل ضغط حقيقي على النظام الإيراني. في هذه المرحلة، برزت تهديدات أميركية واضحة بالتدخّل دعماً لحركة الاحتجاج، بما في ذلك التلويح بتوجيه ضربات لأهداف قد تمسّ قدرات النظام الإيراني. غير أن هذه التهديدات، حتى الآن، لم تُترجم إلى خطوات عملية على الأرض.

راز تسيمت: النخبة السياسية لا تزال تُظهر تماسكاً وحزماً على الأقل في العلن

في المقابل، رفعت تل أبيب بدورها منسوب تهديداتها تجاه إيران، ولا سيما من خلال تحذير طهران من مغبّة توجيه ضربات صاروخية ضد إسرائيل في محاولة لتخفيف الضغط الداخلي، والتأكيد أن أي ردّ من هذا النوع سيُواجَه بردّ إسرائيلي قاسٍ للغاية. وقد ترافق ذلك مع ارتفاع منسوب التفاؤل الإسرائيلي بإمكانية توسّع الاحتجاجات وتحولها إلى خطر جدّي على النظام. إلا أن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تراجع، وعادت التحليلات الإسرائيلية لتشكّك في قدرة الاحتجاجات على فرض تغيير جوهري في إيران.

وفي مقال للباحث راز تسيمت، رئيس وحدة دراسات إيران في مركز دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، نُشر في 11 يناير/كانون الثاني الحالي، يشير الكاتب إلى أنه "بعد أسبوعين من اندلاع الاحتجاجات في إيران، وقبيل نحو شهر من إحياء الجمهورية الإسلامية الذكرى السابعة والأربعين للثورة الإسلامية (11 فبراير/شباط)، يمكن التقدير بحذر أن موجة الاحتجاجات الراهنة تطرح التحدي الأبرز لاستقرار النظام الإيراني منذ العام 1979".
غير أن تسيمت يؤكد في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني بالضرورة أن التغيير السياسي المنشود في إيران وشيك أو فوري. فحتى بعد أيام من الاحتجاجات الواسعة والعنيفة، لا يزال من الصعب، بحسبه، الحديث عن حركة احتجاج بالمعنى الذي يفترض وجود ائتلاف منظم وعابر للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذه المرحلة، لا توجد مؤشرات على انضمام قطاعات اقتصادية محورية، مثل عمال صناعة النفط، الذين يمتلكون قدرة حاسمة على الدفع نحو انهيار النظام الإيراني من خلال إضرابات واسعة في صناعات حيوية.

إضافة إلى ذلك، يلفت تسيمت إلى أن الاحتجاجات تفتقر، في هذه المرحلة، إلى قيادة واضحة، وإن كان من الممكن اعتبار هذا الغياب عامل قوة مؤقتاً، إذ يُصعّب على النظام الإيراني قمع الحراك من خلال تحييد قياداته. غير أن هذا العامل لا يعوّض عن غياب شرط حاسم آخر لانهيار النظام الإيراني يتمثّل في ظهور تصدّعات وانشقاقات داخل النخبة السياسية، ولا سيما في أجهزة القمع والإنفاذ، وفي مقدمتها الحرس الثوري، وقوات الباسيج، وقوى الأمن الداخلي. ويشير تسيمت إلى أن النخبة السياسية لا تزال تُظهر تماسكاً وحزماً، على الأقل في العلن، في ظل غياب مؤشرات على حالات انشقاق، أو تآكل في الأداء الوظيفي، أو امتناع من جانب قوات الأمن عن تنفيذ تعليمات السلطات بقمع الاحتجاجات.

كما يقلل تسفي برئيل، محلّل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة هآرتس، منسوب التفاؤل حيال سقوط وشيك للنظام في إيران. ففي مقال نُشر في 11 يناير الحالي، يؤكد "أن سقوط النظام ليس وشيكاً"، مشيراً إلى أن "النظام يواصل العمل وفق القواعد المعهودة". ويضيف أن البحث عن دلائل تُظهر اختلافاً في أسلوب تعامل السلطات مع المحتجّين مقارنة بموجات احتجاج سابقة قد يفضي إلى خيبة أمل، مذكّراً بأن قطع الإنترنت طُبِّق أيضاً في العام 2019، وبأن مئات القتلى سقطوا في احتجاجات أعوام 2009 و2017 و2019 و2022، التي كان حجمها مماثلاً لتلك التي اندلعت في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي. وفي تلك المحطات، كما يلفت برئيل، سادت تقديرات تحدّثت عن "نقطة تحوّل"، أو "الاقتراب من إسقاط النظام"، أو "حالة ذعر أصابت القيادة"، وأنه لم يعد أمامها خيار سوى الاستجابة لمطالب المحتجّين، غير أن ذلك لم يحدث. ومن هنا يخلص برئيل إلى أن حركة الاحتجاج قد تستمر، وكذلك صمود النظام الإيراني ومحاولاته المتواصلة لقمعها.

نداف إيال: الثورات تتطلّب القدرة على تحويل الطاقة الشعبية إلى سلطة بديلة

كذلك يقلل نداف إيال، المحلّل في موقع "واينت"، من احتمالات سقوط النظام في إيران. ففي مقال نُشر في 11 يناير الحالي، شدد على أن "وجود حشود ضخمة من المتظاهرين في الشوارع ليس كافيًا لإحداث ثورة، كما أن وضعاً اقتصادياً واجتماعياً لا يُحتمل لا يكفي بدوره لإشعالها. وحتى نظام يكاد لا يؤدي وظائف الدولة الأساسية لن يسقط من تلقاء نفسه". ويخلص إيال إلى أن "الثورات تتطلّب أمراً أصعب وأندر بكثير: القدرة على تحويل الطاقة الشعبية إلى سلطة بديلة". ويضيف أن سيناريو اندلاع حرب أهلية "لن يتحقّق إلا في حال انقسام الجيش، الذي لا يُعدّ جزءاً من الحرس الثوري، وقد تعزّزت مكانته في السنوات الأخيرة"، مشيراً إلى أنه لا تتوافر في الوقت الراهن معطيات استخبارية تؤكّد حدوث مثل هذا الانقسام. ومن هذا المنطلق، يرى إيال أن تهديدات ترامب للنظام، رغم قدرتها على بثّ قدر من الزخم في الاحتجاجات، لا تشكّل بديلاً عن تصور واضح لليوم التالي، بل قد تؤدي، في نظر المحتجّين أنفسهم، إلى تفاقم أوضاعهم بدلاً من تحسينها.

انتظار حسم خارجي

حتى الآن، تُبدي التحليلات والتقديرات الإسرائيلية تشكّكا إزاء إمكانية إقدام النظام الإيراني على تقديم أي تنازلات داخلية أو خارجية، تجاه مطالب ترامب وشروطه لإعادة التفاوض حول الملف النووي ورفع العقوبات، وهو ما قد يؤدي إلى تحسّن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في إيران. ووفق التقديرات الاسرائيلية، يُرجَّح استمرار الاحتجاجات، إلى جانب محاولات النظام المتواصلة لقمعها.

وفي هذا السياق، يبرز السؤال المركزي في الإعلام الإسرائيلي: هل ستتخذ الإدارة الأميركية خطوات عسكرية عملية تستهدف مصالح للنظام الإيراني، بما قد يضعفه في مواجهة حركة الاحتجاج ويُحدث تغييراً في موازين القوى القائمة؟ وفي المقابل، كيف ستردّ إيران على مثل هذه الخطوات؟ وهل ستترجم تهديداتها إلى هجمات انتقامية يكون عنوانها إسرائيل، إضافة إلى قواعد ومصالح أميركية في المنطقة؟ كما يُطرح تساؤل آخر حول احتمال انضمام حزب الله إلى أي مواجهة عسكرية إلى جانب إيران ضد إسرائيل. وتُظهر هذه الأسئلة مجتمعة أن فصل الحروب في الشرق الأوسط لم يُطوَ بعد، وأن المنطقة لا تزال عُرضة لمزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.