اليسار الفلسطيني اليوم: هناك يساريين وليس هناك يسار

samir_zapen

منذ مطلع التسعينات دخل اليسار العربي في أزمة مركبة تختلف نوعياً عن الأزمة التي كان يعيشها ويعترف بها قبل ذلك، فتلك كانت أزمة تشكيل البديل عن السلطات القائمة، في ذلك الوقت سادت القناعة أن اليسار هو من يصنع المستقبل، ليس مستقبل المنطقة فحسب، بل مستقبل العالم. من هذا التفاؤل في صناعة المستقبل دخل اليسار في التسعينات أزمة الاضمحلال والموت.

فقد تسبب انهيار الاتحاد السوفييتي النموذج المرتجى لليسار (على الرغم من الملاحظات التي كان اليسار الجديد يأخذها على النموذج السوفيتي) بتراجع مصداقية ودور هذه القوى على المستوى العالمي والعربي، وبالتالي الفلسطيني الذي كان يعاني أزمة بنيوية تتعلق بتشكيل البديل عن القيادة التي «اليمينية» لمنظمة التحرير والتي تزعمت الحركة الوطنية الفلسطينية في التجربة الحديثة. أما بعد المتغيرات الدولية التي عصفت في عقد التسعينات المنصرم في المنطقة والعالم وتزايد وزن القوى الإسلامية، أخذت هذه الأزمة التي يمر بها اليسار تدخل فيما يمكن تسميته «أزمة الاضمحلال» حيث ينكمش هذا اليسار من ناحية الحجم والدور بطريقة متسارعة.

وإذا كانت هذه المتغيرات سبباً يفسر جزئياً أزمة اليسار الفلسطيني، فهناك عوامل داخلية فلسطينية تكمل تفسير هذا الاضمحلال بفعل العوامل الخارجية. منذ بدايته عانى اليسار الفلسطيني من الانقسام وباءت المحاولات التوحيدية لفصائله بالفشل في السبعينات والثمانينات لأسباب متعددة ليس هنا مجال الخوض فيها، وبقي هذا الانقسام الذي ازداد تشرذماً مع الأيام والذي كان يفسر بفرادة وهمية للتجربة الفلسطينية، بالتنوع والديمقراطية التي تعيشهما الحركة الوطنية الفلسطينية. أعطى انقسام اليسار الفلسطيني نوعين من قوى اليسار: الأول، لعب دور المسوّق لسياسات قيادة منظمة التحرير (اليمينية) التي لم يكن باستطاعتها تسويقها ضمن إطارها التنظيمي الذي شكلته حركة فتح، ظهر ذلك جلياً في الخلاف حول البرنامج المرحلي (برنامج السلطة الوطنية) في منتصف السبعينات، والذي حمل لواءه الجبهة الديمقراطية بوصفها الفصيل اليساري الواقعي.

الثاني، لعب دور الحالة المتمسكة بالمبادئ والحقوق في وجه التنازلات ومارست السياسة الاعتراضية على سياسات قيادة منظمة التحرير، وكلما وصلت قيادة المنظمة إلى محطة جديدة، تتمسك هذه القوى بالمحطة السابقة، على قاعدة قطع الطريق على قيادة المنظمة من الاستمرار في طريق التنازلات.ارتبط الاتجاهان اليساريان بشكل تابع بقيادة منظمة التحرير، سواءً كان هذا الارتباط تسويقياً أو اعتراضياً، مما جعل قيادة منظمة التحرير الفاعل السياسي الوحيد في الساحة الفلسطينية، وأبقى ممارسات اليسار من موقع رد الفعل على السياسة التي تصنعها ما عرف في التجربة الفلسطينية بـ«القيادة المتنفذة». فلم تتم صياغة سياسات مستقلة لليسار تنطلق من واقع الصراع المعقد والإجابة على أسئلته ومتطلباته وآليات الصراع مع إسرائيل، وتنظر له من مواقعها الفكرية والسياسية، لا الأيديولوجية، وبحكم هذا الانقسام اليساري تمت صياغة سياسات تنافسية بين أطرافها، وصراعها ليس على قيادة منظمة التحرير، بل على من يشغل الموقع الثاني في الساحة الفلسطينية بعد حركة فتح، وما زاد من حدة الانقسام وأدى إلى مزيد من التفتت ولادة فصائل يسارية هامشية.المسألة الأخرى التي غرق فيها اليسار وأثَّرت سلباً على إمكانية استقطابه قطاعات جماهيرية متزايدة، هي الوقوع في الفخ الأيديولوجي وتحويل الحزب في الكثير من الحالات إلى نادي للتثقيف النظري، وهي مهمة في جميع الحالات تتجاوز مقدرة أي حزب.

فمهمة الحزب في نهاية الأمر مهمة سياسية وعليه أن يجيب عن هذه التعقيدات السياسية، لا أن يغرق في نقاشات نظرية حول مسائل شائكة من الصعب الحسم فيها سياسياً. فعلى مدى سنوات طويلة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، شغل اليسار الساحة الفلسطينية بالنقاش حول البرجوازية الفلسطينية وهل بقيت في الموقع الوطني، أم غادرت إلى الموقع اللاوطني وأصبحت في الموقع الآخر، موقع الأعداء، والمقصود بالبرجوازية هنا قيادة منظمة التحرير. وانشغلت في النقاش حول البنية التنظيمية في كيفية التحول إلى حزب ماركسي ـ لينيني. وعندما أعلنت هذه الأحزاب تحولها، كانت الماركسية ـ اللينينية قد سقطت في مركزها وتبددت منظومتها خلال أشهر.لقد بقي اليسار الفلسطيني أسير تبعية لقيادة منظمة التحرير من زاوية صناعة الخيارات السياسية، وأسير الوهم الأيديولوجي الماركسي ـ اللينيني رغم انهيار المنظومة الاشتراكية، وهذا ما نقله من مرحلة الاضمحلال في التسعينات إلى الموت النهائي في الألفية الجديدة، حيث بات بلا وظيفة ولا دور ولا هدف. فاليوم كل ما نشاهده على الساحة الفلسطينية هو بقايا يسار يعيش على تاريخ انقضى منذ عقود، أو بعض الأصوات التي فرّختها هذه القوى والتي لا تزيد عن كونها حضور في الإعلام ولا وجود لها على أرض الواقع، وهو ما يعني موت اليسار الفلسطيني كما عرفناه في تجربة الفصائل.

ولكن هل هناك حاجة إلى اليسار؟ بالتأكيد، فاليسار ليس ترفاً بل هو هدف ووظيفة تاريخية ملحة، ولكن ليس بالمفهوم السابق لليسار، بل بمفهوم جديد يقطع مع ذلك اليسار الذي مات.في تجربة الثورات العربية تظهر الحاجة الملحة لليسار بالمعنى الاجتماعي والتاريخي، هذا اليسار الذي يعبر عن طموحات شرائح اجتماعية كبيرة لم تجد تعبيرها في القوى السياسة التي احتلت المشهد السياسي في دول الثورات العربية. شرائح اجتماعية كان لها الدور الكبير في الإطاحة في السلطات الديكتاتورية من حيث المشاركة والطليعية في هذه المشاركة، لكن دون أن تكون منتظمة في قوى سياسة قادرة على حصاد نتاج نضالها، فذهب الحصاد إلى من كان متردداً في المواجهة مع الأنظمة، إلى أحزاب الإسلام السياسي الأكثر تنظيماً. لم يكن الحال أفضل في التجربة الانتخابية الفلسطينية فقد كانت النتائج التي حصل عليها اليسار الفلسطيني، نتائج هزيلة لا تتناسب لا مع ادعاءه ولا مع تاريخيه، ما جعلنا نقول أن هذا اليسار غير موجود ولا يمثل أي قوى اجتماعية، يسار ينتمي إلى ماضي لم يعد أحد يرغب به. والحقيقة الفلسطينية الماثلة أمامنا هي: أن هناك يساريين وليس هناك يسار.