اللواء برهان حماد: هكذا حاولوا اغتيالي في غزة

القاهرة: واصل يواصل اللواء برهان حماد وكيل جهاز المخابرات العامة المصرية الأسبق، الخروج عن صمته بعد سنوات من التقاعد، وكشف لصحيفة "الأهرام العربي" فى أول حوار صحفى له، الكثير من الأسرار حول عمله فى جهاز المخابرات، وعلاقته باللواء عمر سليمان رئيس المخابرات الأسبق، نائب رئيس الجمهورية الأسبق، والمهمة التي كلف بها إبان الاقتتال بين حركتي فتح وحماس في قطاع غزة، وبما فيها محاولة اغتياله.

وعن توليه لمنصب الموفد المصري إلى قطاع غزة عام 2006 وخفايا تلك الهمة قال حماد:"توليت هذا المنصب فى منتصف عام 2006 تقريباً، وبعد حدوث بوادر ومظاهر قوية أننا مشرفون أو على أبواب فترة صعبة من الاقتتال الداخلى بين حركتى فتح وحماس، واستلمت منصبى بعدما استدعانى اللواء عمر سليمان لمكتبه وأعطانى أسبوعا لكى أجهز نفسى للمغادرة لقطاع غزة، وأعطانى التوجيه الرئيسى للمأمورية، لأنها كانت تتبع رئيس المخابرات العامة مباشرة ولا علاقة لها بأى وحدة من وحدات الجهاز، أعنى أن رئيس الجهاز هو الذى يعطى التعليمات مباشرة لرئيس المأمورية، كما يقوم رئيس الوفد الأمنى بالاتصال المباشر برئيس الجهاز فى حالة وجود ما يستدعى ذلك.. والحقيقة أنى كنت فى ظروف عائلية شديدة الصعوبة، لأن زوجتى - رحمة الله عليها - كانت فى فترة حرجة جدا من مرضها الصعب، وكان اللواء عمر سليمان يعرف حقيقة مرضها، وأبلغنى أثناء هذة المقابلة أنه فى حالة احتياجى لإجازة وأنا فى غزة، فستكون لمدة ٤٨ ساعة للاطمئنان على أسرتى وزوجتي، ويكون من الواجب على أن أبلغه قبلها، ولكننى لم أحصل ولو على يوم واحد إجازة، واستمريت فى عملى حتى غادرت غزة بعدما استدعانى رئيس المخابرات ومعى الوفد الأمنى فى 15 يونيو 2007، بعد حدوث الاقتتال الأخير بين فتح وحماس، وهو بما يسمى بانقلاب حماس على فتح من وجهة نظر فتح، وبـ”الحسم” من وجهة نظر حماس.. وبالفعل فلقد اختار الله زوجتى إلى جواره بعد عودتى بوقت قصير".

وعن موقفه من أطراف الانقسام ومن يتحمل مسؤولية تدهور الاوضاع في قطاع غزة، قال حماد:" بكل تأكيد شهدت هذه الفترة وكنت أتمزق غيظا من إهدار الدماء العربية أو الفلسطينية بهذه الطريقة، بل وبهذه المهانة أو إحراق المؤسسات الفلسطينية والتى بنيت من أموال الشعب الفلسطينى دون أى اكتراث أو حُمرة خجل، وأعرف حقيقة ما حدث، ولكننى لا أملك الكلام عن من يتحمل مسئولية تلك الأحداث والدماء التى أريقت.. وعموما فإن كل هذه المعلومات موجودة داخل مبنى المخابرات العامة، وأنا لا أملك التعليق أو البوح بها لأن هذه المعلومات ليست ملكى أنا، وليس من اختصاصى البوح بها".

وأضاف حماد:" كل ما أستطيع البوح به الآن هو أن القضية الفلسطينية تعرضت إلى مؤامرة كبرى لتصفيتها، وأن الربيع العربى قد بدأ من فلسطين وليس من تونس، وأن وسيطا دوليا مهما لعب دورا محورياً لضرب الوحدة الفلسطينية يماثل دور لورانس العرب، وأن هناك دولا عربية صغيرة استخدمت أموالها وأراضيها فى هذا المخطط، وأن منظمات فلسطينية استخدمت عن جهل لإحراز الانقسام دون أن تدري، وأن شخصيات فلسطينية فى مناصب قيادية استخدمت بعضها عن جهل، وبعضها عن عمالة، لإلحاق الأذى بقضية العرب الأولى ... كما لابد أن أضيف أن الوضع السياسى الداخلى الفلسطينى تم تجهيزه تدريجيا لكى يمكن إحداث هذا الانقسام بسهولة ويسر، بعد إزاحة أهم رموزه العاقلة والوطنية، وذلك بالتخطيط والتآمر، وبقتل الزعيم الفلسطينى العظيم ياسر عرفات مسموما، وباغتيال إسرائيل المباشر للزعيم أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسى وغيرهم، أصبح الوضع على الأرض الفلسطينية مهيأ تماما للعبث به، بعد أن أدخل على المسرح بعض الكومبارس جاءوا بدلا من الأبطال الكبار فنشأ الانقسام على أيديهم، ولم يستطيعوا أن يلعبوا أدوار القادة الراحلين، وكانت الفرصة سانحة أن يتحرك العملاء الصغار، يدفعهم إلى ذلك الجهل والمال والحقد على بعضهم، فى تنافس مريض أعمي، اختلطت فية الرؤية بين مصلحة القضية الفلسطينية، والمصالح الضيقة التنظيمية التى تحركها قوى خارجية، تخفى المصالح الإسرائيلية فى النهاية، لتصفية القضية الفلسطينية بأيدى أبنائها وعلى مسمع ومرأى من العالم العربي، فيتم توزيع المسئولية، وتختفى القضية الفلسطينية تماما، بسبب واحدة من أخبث وأذكى وأحقر ما عرف فى التاريخ من قضايا العمالة والتآمر".

أما عن محاولة الاغتيال التي تعرض لها خلال وجوده في غزة فقد أوضح حماد:" وكنا نلتقى يوميا نتيجة هذا الاقتتال بجميع الفصائل والأحزاب الفلسطينية بالإضافة إلى حركات حماس وفتح والجهاد، بل ننزل على الأرض وعلى أقدامنا أحيانا لكى نشرف بأنفسنا على تنفيذ وقف إطلاق النار، أو لكى نقوم بإنزال أنصار الطرفين من المسلحين والقناصة من فوق أسطح المباني، وتكرر ذلك عدة مرات.. ورغم نجاحنا كممثلين لمصر فى وقف القتال فإنه كان سرعان ما ينشب من جديد، وكانت هناك أياد خفية تعبث و تصر على استمرار هذا النزيف المستمر وتعيد إشعال الحريق كلما نجحنا فى إطفائه.. وفى أحد الأيام الصعبة كان لابد أيضاً من تبادل للأسرى بين الطرفين المتقاتلين لوقف حجج استمرار القتال الدامي.. ولذلك فضلت أن يتم هذا التبادل فى مكان مغلق ومسيطر على منافذه وأبوابه.. ووقع اختيارى على مبنى السفارة المصرية فى غزة، حيث أيضاً يرتفع عليها علم مصر وهو ما يظهر أمام العالم كله حقيقة الدور المصرى.. وبالفعل اتصلت بالسفير المصرى فى ذلك الوقت فى غزة وهو السفير والصديق أشرف عقل، وتم التنسيق وإخلاء السفارة من العاملين الدبلوماسيين، وتم الاجتماع بين ممثلى فتح وحماس برئاستي، واستغرق الحوار أكثر من ثمانى ساعات متواصلة، ونحن نستمع أثناء الاجتماع إلى أصوات الميكروفونات والجماهير الفلسطينية الغاضبة تملأ الشوارع حول السفارة المصرية، تحث الجوانب المتصارعة على ضرورة إنهاء الأزمة ووقف سفك الدماء، ونجحنا فى نزع فتيل الأزمة فى النهاية وتم تبادل الأسرى بين الطرفين.. وبعد مغادرة الجميع لمبنى السفارة، خرجت بسيارتى حوالى الساعة الثانية صباحا، وكانت أنوار الشوارع مظلمة، وبمجرد مغادرة السيارة للشارع الذى تتواجد فيه السفارة المصرية بنحو 300 متر، انهمر الرصاص بغزارة على السيارة من أحد المبانى المرتفعة، واهتز السائق متسائلا: ماذا أفعل؟ فقلت له اتجه نحو اليسار بسرعة.. وبالتالى اختلفت الزاوية على من يحاول قتلنا ونجحنا فى الإفلات من الموت بأعجوبة، وقمنا بتغيير خط السير خوفا من أن يكون هناك كمين آخر.. ولولا رعاية الله وأننا كنا نستقل سيارة مصفحة لقتلنا جميعا".

وتابع حماد:" ولا يوجد شك فى أن من حاول قتلنا كان يحاول أن تشتعل الأوضاع ويعود القتال مرة أخرى بين الطرفين، بل وأن يتخلص من ممثلى مصر الذين ينجحون فى إيقاف القتال كل مرة.. وعند وصولى لمقر إقامتى وجدت أن الخبر قد أذيع على قنوات الجزيرة والعربية، وبثته بعض وكالات الأنباء، تحت عنوان محاولة اغتيال رئيس الوفد الأمنى المصرى فى غزة بعد نجاحه فى التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار بين فتح وحماس، وطبعا أدركت حجم المأساة عندما يستمع الشارع المصرى إلى هذا الخبر، وحجم تأثير ذلك على مشاعر المصريين تجاه إخوانهم الفلسطينيين بصفة عامة، وكذلك حجم الانزعاج والخوف الذى ستكون عليه أسرتى وأبنائي، وخاصة أن زوجتى رحمة الله عليها كانت فى وضع صحى حرج للغاية، ولذلك اتصلت بوكالات الأنباء نافيا الخبر، وأعلنت أنه غير صحيح.. ولكن جاءنى على الفور اتصال عاجل من اللواء عمر سليمان لمعرفة حقيقة الموضوع، وأجبته بأنه حدثت محاولة اغتيال بالفعل، وشرحت له وجهة نظرى فى الإنكار، فحذرنى وطالبنى بضرورة توخى أقصى درجات الحذر والحيطة".

ورفض حماد الكشف عن هوية من خطط لاغتياله ولكن قال:" الحقيقة أن الفاعل والمخطط لهذا الموضوع معروف وكل التفاصيل لدى المخابرات العامة، وهى الجهة الوحيدة المنوط لها بالإعلان عن هذا الاسم والجهة فى الوقت الذى تراه مناسبا.. فأنا لا أملك هذا الحق، ونحن كضابط مخابرات تعلمنا أن نعمل فى صمت بعيدا عن الأضواء، ولا يهمنا فى النهاية سوى إنجاز مهامنا الوطنية على أكمل وجه وأحسن صور".

حرره: 
م.م