هل فقدت الثورة الفلسطينية هويتها؟

بقلم: 

كلهم آباؤنا، وكلهم أمهاتنا، من اصاب منهم ومن أخطأ، فالحق جميل، والعدل أجمل، والحق والعدل معاً هما الكمال بعينه. ويا فضل من يصنع ويا حظ من ينال، وكل هذا متوفر وموجود. وباستطاعة بني البشر ان يغرسوا جنتهم، وان يشعلوا جحيمهم، فهذه هي الحرية، والحرية فوق كل ذلك هي المسؤولية.

خلال القرن الثامن عشر، أخذت سلطة الامبراطورية العثمانية تتهاوى بسرعة، وعظمتها ومكانتها كذلك. وتكاثر عدد قادة الجماعات المسلحة الذين حصلوا على الاستقلال، والذين يتطلعون للحصول عليه. وكانت فلسطين مثل مصر ولبنان في هذا المجال، ميداناً لنشاط هؤلاء القادة الذين كان من ابرزهم الشيخ ظاهر العمر. الذي كان بدوياً قد سبق للشهابي حاكم لبنان ان عيّن والد ظاهر العمر شيخاً على لواء صفد في فلسطين. وبدأ ظاهر العمر يبرز عام ١٧٣٧، عندما ضم طبريا الى مشيخته. وفي العام ١٧٥٠، احتل عكا وجلعها مركزاً لحكمه، واصلح الدمار الذي لحق بها حلال الحروب الصليبية.

وجرى تحصينها، واصبحت مركزاً تجارياً على قدر كبير من الاهمية. وحكمها ظاهر العمر بيد من حديد، فطهّرها من قطاع الطرق والخارجين على القانون. وشجع زراعة القمح وصناعة الحرير والقطن. وكان على درجة عالية من التسامح مع رعاياه المسحيين.

تحالف ظاهر العمر مع علي الكبير حاكم مصر واحتل صيدا في لبنان، فحاصرها العثمانيون. واغتيل داخلها ظاهر العمر على يد عميل مأجور.

كان أحمد باشا الجزار ضابطاً مغموراً في الجيش السوري الذي شارك في الدفاع عن صيدا. والجزار مسيحي من البوسنة ارتكب جريمة جنسية وفر الى القسطنطينية، وباع نفسه الى تاجر رقيق يهودي، وانتهى به المصير الى ملكية على بك الكبير حاكم مصر، وعمل الجزار جلادا لديه واعدم سبعين الفا من البدو في مصر، فأطلق عليه لقب الجزار.

وقد استقر المقام بالجزار حاكما في عكا حيث صدّ عنها نابليون بمساعدة اسطول بريطاني، ولكن الجزار كان سفاحا ومغتصبا للسلطة، ومن الجرائم الشائنة التي تروى عنه انه احرق سبعا وثلاثين من زوجاته لشكه في بعضهن، وظل اسم احمد باشا الجزار رديفا للقسوة والارهاب، ومع كل ما اقترفه من فظائع مات على فراشه.

وعندما غزا ابراهيم باشا «ابن والي مصر» تركيا عبر فلسطين ولبنان وسوريا ١٨٣١، وجد في الامير بشير الشهابي الثاني صديقا وحليفا في لبنان، حيث سبق للأمير بشير ان فرّ الى مصر عام ١٨٢١، وتوطدت الصداقة بينه وبين محمد علي باشا، وبدافع من هذه الصداقة ساعد اللبنانيون ابراهيم في فتح عكا، بعد احتلال يافا والقدس.

وبمقتضى معاهدة لندن ١٨٤٠ اكرهت الدول الاوروبية محمد علي باشا على سحب قواته الى داخل مصر، مقابل استمرار حكم ابنائه واحفاده لمصر وراثيا.

وخلال حملات ابراهيم باشا على تركيا ١٨٣١ -١٨٣٣ و ١٨٣٩ - ١٨٤٠ ثارت احتجاجات في بلاد الشام ضد الحكم المصري بسبب مضاعفة الضرائب، واعمال السخرة، والخدمة العسكرية الاجبارية.

اذا كنا نريد ان نبدأ التاريخ للثورة الفلسطينية بالعنف واراقة الدماء، كما هو شائع عن هذه الثورة في الثقافة الشعبية الفلسطينية، فلنبدأ بالمظاهرات والاضطرابات التي وقعت في القدس في ٤/ ٤/ ١٩٢٠، بمشاركة وجوه فلسطينية بارزة، مثل موسى كاظم الحسيني رئيس بلدية القدس، وعارف العارف، وامين الحسيني الى جانب عامة الناس، وقد اتخذت ضدهم اجراءات عقابية مثل اعفاءموسى كاظم من رئاسة البلدية واحكام بالحبس ضد عارف العارف والحاج امين الحسيني، دفعت بهما الى الهرب والالتجاء الى عشائر الاردن.

وكانت القوة العسكرية هي الجهاز الفعال الذي اعدته الحركة الصهيونية واستمرت في تطويره للاستيلاء على فلسطين. ومنذ وقت مبكر، تأكد هذا المبدأ من خلال المشروع الذي اعلنه الزعيم الصهيوني المتطرف، زئيف جابوتنسكي (من مواليد روسيا - اوديسا - ١٨٨٠) واطلق عليه اسم «الجدار الحديدي» والذي صمم من خلاله على ان الحركة الصهيونية ستواصل الاستيطان اليهودي في فلسطين ولو باللجوء الى القوة العسكرية التي اطلق عليها اسم الجدار الحديدي (١٩٢٣).

في عرض المشروع الصهيوني - الامبريالي تحت ستار المسألة اليهودية (المشروع الخيري الظالم) لم يشر لا الصهاينة، ولا القوى ذات العلاقة بأنه مشروع ملغم بحروب متواصلة لا بتدو لها نهاية. وان اطرافا غير عربية كثيرة ترابطت بهذا المشروع والمهزلة المخزية ان العرب، حكاما وساسة وشعوبا، ظلوا لهذه القضية هامشيين بأنفسهم او مهمشين من قبل الاخرين.

مع نهاية القرن التاسع عشر، كان يهود العالم يهودين، يهود الشتات ويهود الاستقرار فكان يهود الشتات في روسيا القيصرية، والمانيا الصليبية. حيث عانوا من الاضطهاد الديني والتمييز العنصري، الذي كان يتراوح بين العزل والطرد والحرق بالنار في اغلب الاحوال. اما يهود الاستقرار فكانوا موزعين الى ثلاث فئات :«(١) الذين نالوا حقوق المواطنة بعد الثورة الفرنسية (١٧٨٩).

و(٢) الذين اتجهوا للهجرة الى العالم الجديد «اميركا» و(٣) الذين اصبحوا جبابرة النظام الشيوعي بعد ثورة (١٩١٧) في روسيا التي سيطر عليها اليهود.

كانت فلسطين مثل الحجاز في حوزة الامبراطورية العثمانية لتسهم في شرعية حكم العثمانيين. واذا كان لنا ان نتحدث عن حياة سياسية في فلسطين،حكم العثمانيين، واذا كان لنا ان تحدث عن حياة سياسية في فلسطين، فكانت تتمثل في عدد من القادة مثل موسى كاظم الحسيني، وامين الحسيني، وراغب النشاشيبي على صعيد العائلات. والشيخ عز الدين القسام على رأس الاتجاه الاسلامي، وحزب الاستقلال الذي يضم التيار القومي مثل عوني عبد الهادي، واكرم زعيتر، واحمد الشقيري، ويلي هؤلاء طبقة الاعيان الذين يقومون بدور الوساطة وحل المشاكل بين المسؤولين الاتراك الذين لا يتقنون اللغة العربية، وبين عامة الشعب التي لا تتوفر لها فرصة التواصل مع الموظفين الاتراك، وكل المعاملات بين السلطة والناس مغموسة بالرشوة.

مع نهاية الحكم العثماني، وبداية الحكم البريطاني بالاحتلال العسكري بقيادة الجنرال ادموند اللنبي (١٩١٨)وبصك الانتداب البريطاني (سان ريمو ١٩٢٠) وتعيين هربرت صمويل مندوبا ساميا للحكومة البريطانية على فلسطين، بدأت مرحلة من الصراعات بين كافة الاطراف ذات المصالح المتضاربة في فلسطين على المستويين التكتيكي والاستراتيجي.

كانت فلسطين وطنا كاملا، والفلسطينيون مواطنوها وشعبها يتمسكون بحقهم في الاحتفاظ بها، وسعى ثلث يهود العالم للاستيلاء على فلسطين بالقوة العسكرية، واستبدال شعبها العربي بمهاجرين يهود دون اي مبرر او صحة ادعاء، لان الاقطار التي اضطهدت اليهود، وابرزها روسيا القيصرية والمانيا النازية لم تعد هي تلك الاقطار في موقفها من اليهود.

ولكن سقوط الذرائع الانسانية لم يسقط الذرائع السياسية والعسكرية والاقتصادية، فان سقوط روسيا القيصرية، والمانيا النازية، لم يلغ حاجة بريطانيا وامريكا للسيطرة على منابع النفط العربية، وسعيهما لتفتيت الاقطار العربية لاضعاف قدرتها على السيطرة على ثرواتها النفطية.

والان سوف نعرج على الحياة السياسية العربية، لانها تشكل البيئة التي تتحرك فيها الحياة السياسية الفلسطينية، لم يكن دور الحاج امين الحسيني اكثر حرجا في اية مواجهة من دوره في مواجهة جامعة الدول العربية التي زاد تدخلها في الصراع الفلسطيني - الصهيوني بالتصريحات الصحفية، والاجتماعات الاستعراضية، وليس بزيادة الدعم المادي والسياسي للفلسطينيين. فان جامعة الدول العربية تدين بوجودها للحاجة الى تشكيل اتحاد عربي في مواجهة البرنامج الصهيوني الذي يهدد الحقوق الوطنية والسياسية للفلسطينيين، كما كانت مكانة جامعة الدول لدى الرأي العام العربي يحددها مدى مساندتها للحقوق الفلسطينية.

ان تردي حال الفلسطينيين الناجم عن فقدانهم لقيادة وطنية، وتفتيتهم جعلهم في اشد الحاجة لمساعدة جماعية من الدول الاعضاء في جامعة الدول العربية في المجالات المالية والدبلوماسية والعسكرية لمواجهة المشروع الصهيوني الكامل التجهيز بكل مصادر القوة. ولكن الشروخ والانقسامات العميقة التي فتتت القوى العربية اضرت بفلسطين.

كانت جامعة الدول العربية عبارة عن اتحاد مفكك بين مجموعة دول عربية ضعيفة في بنائها الداخلي، اما مستعرة او مرتبطة بقيود مع بريطانيا التي تخشى ان تعصي لها امرا، لان بريطانيا هي مصدر السلطة وليست الشعوب العربية.

ولعلنا لا نفتري على احد اذا زعمنا ان جيوش الحكومات العربية التي ادعت انها قادمة لتحرير فلسطين في ١٥ ايار ١٩٤٨، قد جردت المناضلين الفلسطينيين من اسلحتهم. وكررت جامعة الدول العربية رفضها مرات عديدة السماح للفلسطينيين بتشكيل حكومة فلسطينية وطنية لاستباق الاعلان عن قيام دولة اسرائيل في ١٩٤٨/٥/١٥.

ومنعت الحكومات العربية تعيين حكام اقاليم فلسطينيين لتسيير شؤون البلد، وقد لاحظ الوسيط الدولي برنادوت ذلك فاوصى بضم الاراضي الفلسطينية الى شرق الاردن.

بعد الهزيمة التامة للجيوش العربية في ١٩٤٩/١/٧، ومطاردة الجيش الاسرائيلي لها عبر حدودها، وقعت الدول العربية مع اسرائيل على اتفاقيات رودس ١٩٤٩ التي اعتبرها بن غوريون حدود الامر الواقع، والتي يطلق عليها العرب اسم حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧، وقد التزمت الدول العربية بمنع الفلسطينيين (عزلا او مسلحين) من تخطيها.

ومن هنا بدأ ضياع الفلسطينيين وإضاعتهم، حتى لم يعد لديهم خيوطا للوهم للتعلق بها. وبدأت عملية عربية على المستوى القومي مبتكرة ومتطورة لاجهاض احلام الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم.

المصدر: 
القدس