سنة رابعة بلا مدارس في غزة... إبادة التعليم

سنة رابعة بلا مدارس في غزة... إبادة التعليم

زمن برس، فلسطين:  يستعد طلاب غزة لدخول عام دراسي رابع منذ اندلاع حرب الإبادة في وقت لا تزال فيه المدرسة، بصورتها المعروفة، غائبة عن حياة مئات الآلاف منهم. لم تعد الطوابير الصباحية والصفوف والمقاعد والكتب مشهداً اعتيادياً، وحلّت مكانها خيام ونقاط تعليمية ومراكز مؤقتة تعمل بإمكانات محدودة في بيئة إنسانية قاسية.

وتعكس أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" حجم الانهيار الذي أصاب القطاع التعليمي في غزة، إذ تضرّرت نحو 98% من مباني المدارس، فيما تحتاج أكثر من 93% من المدارس إلى إعادة تأهيل أو إعادة إعمار كاملة. وتشير المنظمة إلى أن نحو 700 ألف طفل بين سن الرابعة والسابعة عشرة حرموا من التعليم الحضوري لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، فيما لا يحصل نحو 420 ألف طفل على أي تعليم وجاهي.
يقول الفلسطيني علي قاسم إنّ غياب المدرسة أصبح جزءاً من يوميات أطفاله الثلاثة، ولم يعد مجرد حالة مؤقتة يمكن تجاوزها، الأمر الذي انعكس على قدرتهم على متابعة الدروس واكتساب المهارات الأساسية. ويضيف لـ"العربي الجديد": "توفير الكتاب أو الدرس القصير لا يكفيان لحفاظ الطفل على مستواه التعليمي، فالمدرسة توفر نظاماً وروتيناً وتفاعلاً مع المعلم والزملاء، وهذه العناصر غابت، أو أصبحت محدودة للغاية خلال سنوات الحرب. التجهيل لا يرتبط فقط بانقطاع الدراسة، وإنما أيضاً بفقدان البيئة التي تشجع الطفل على التعلم وتدفعه إلى الاستمرار. افتتاح نقطة تعليمية مؤخراً في مخيمنا أعاد شيئاً من الأمل إلى الأهالي بعد سنوات من الانقطاع"
بدورها، اختارت الفلسطينية حنين عبد النبي، ألّا تنتظر عودة المدارس، وألحقت طفليها خلال العامَين الماضيَين بمركز تعليمي خاص، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من انتظامهما الدراسي. لكن هذا الخيار يفرض على الأسرة عبئاً مالياً إضافياً يصل إلى نحو 300 شيكل شهرياً (نحو 100 دولار أميركي)، بينما تعاني من تراجع قدرتها على تأمين الاحتياجات الأساسية.
وتقول عبد النبي لـ"العربي الجديد"، إنّ "التعليم كان في السابق حقاً مجانياً، سواء في مدارس (أونروا) أو المدارس الحكومية، واليوم أصبح من يريد أن يضمن لأطفاله فرصة تعلم مضطراً إلى دفع الكلفة. المبلغ الشهري قد يبدو محدوداً مقارنة بتكاليف أخرى، لكنه بالنسبة إلى أسرة تعاني من الفقر والنزوح وارتفاع الأسعار يمثل عبئاً لا يمكن تجاهله، خصوصاً عندما يكون لديها أكثر من طفل في سن الدراسة. النقاط التعليمية تمثل حلاً مؤقتاً، لكنها تحتاج إلى مزيد من التنظيم والضبط، فتكدس الطلاب داخل الخيام التعليمية قد تجعل وجود الطفل غير كافٍ لتحقيق الاستفادة المطلوبة".

 

تلاميذ داخل نقطة تعليمية مؤقتة، جباليا، إبريل 2026 (أحمد العريني/ الأناضول)

من سوق اليرموك بوسط مدينة غزة، يؤكد بائع القرطاسية محمود حرز زيادة أسعار المستلزمات المدرسية، ويقول إن الدفتر الذي كان يباع بنحو نصف شيكل أصبح يباع بثلاثة شواكل (دولار تقريباً)، وارتفعت أسعار بقية أصناف القرطاسية، ما يجعل تجهيز الطفل للعام الدراسي أكثر صعوبة. ويوضح لـ"العربي الجديد": "الارتفاع لم يقتصر على الدفاتر، وإنما شمل الأقلام والألوان والحقائب وغيرها من المستلزمات. معظم أصناف القرطاسية تباع بأسعار مضاعفة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب".
ويربط حرز ذلك بارتفاع تكاليف إدخال البضائع، وكلفة النقل، ونقص المعروض، ويضيف: "الطلب على القرطاسية قائم، لكن القدرة على الشراء هي المشكلة، فالكثير من الأهالي يسألون عن الأسعار ويغادرون، أو يكتفون بشراء الحد الأدنى من الاحتياجات، بدلاً من تجهيز الطفل بكل ما يحتاج إليه. استمرار هذا الوضع قد يضيف عقبة جديدة أمام عودة الأطفال إلى التعليم، فالطالب الذي يصل إلى نقطة تعليمية من دون أدوات التعلم الأساسية لن يحصل على تعليم جيد".
من جهته، يقول مدير عام الإدارات المدرسية في وزارة التعليم في غزة، عائد الربعي، إنّ العام الدراسي الجديد يبدأ في 6 سبتمبر/ أيلول المقبل، وإن الوزارة عملت خلال العامَين الماضيَين على تعويض الطلاب عبر نقاط تعليمية حكومية، في محاولة للحفاظ على صلتهم بالعملية التعليمية لمواجهة واقع تدمير المدارس وتعذر انتظام التعليم التقليدي.

 

ويوضح الربعي لـ"العربي الجديد" أنّ "عدد النقاط التعليمية وصل إلى نحو 820 نقطة، واستفاد من التعليم الوجاهي فيها نحو 400 ألف طالب، إلى جانب التحاق نحو 60 ألف طالب خلال فترة الصيف، فيما يواصل نحو 43 ألف طالب تعليمهم إلكترونياً، مع نحو 58 ألف طالب يتلقون التعليم عبر وكالة أونروا. وتحاول الوزارة التوسّع في بناء المدارس الميدانية بهدف رفع عدد الطلاب الذين يحصلون على التعليم الوجاهي، والهدف هو الوصول إلى عدد أكبر من الطلاب، وتوفير مساحات تعليمية تساعد على تقليص الفجوة التي خلفتها سنوات الحرب".
ويتابع: "تلقينا وعوداً بتزويد الطلاب بالمستلزمات الأساسية مع بداية العام الدراسي، في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار، وعدم قدرة كثير من الأسر على شراء احتياجات أبنائها. لكن التحدي لا يتعلق بالمنهج والقرطاسية وحدهما، فبعد ثلاث سنوات من الحرب، أصبح لدى الطلاب فاقد تعليمي كبير، والوزارة تعمل على برامج لتعويض هذا الفاقد، وتناشد الأهالي المساعدة في عملية التعويض باعتبارهم شريكاً أساسياً في إعادة بناء سلوك الطفل وعلاقته بالتعليم والمجتمع".