تهديدات داخلية وخارجية متزامنة قد تقود إلى أزمة تهدد بقاء "إسرائيل"

زمن برس، فلسطين: حذّرت دراسة إسرائيلية حديثة من أن "إسرائيل" تواجه منظومة متشابكة من التهديدات الداخلية والخارجية قد تقود، في حال تزامنها، إلى أزمة شاملة تمس قدرتها على البقاء وإدارة الصراعات، معتبرة أن الانقسام الداخلي، وتراجع الدعم الأمريكي، والعزلة الدولية، لا تقل خطورة عن التهديدات العسكرية التقليدية.
وجاءت الدراسة ضمن أعمال مؤتمر الأمن القومي السنوي الذي نظمه "معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي" تحت عنوان "العصر الأمني الجديد لإسرائيل"، بمشاركة مسؤولين سياسيين وعسكريين وأمنيين وباحثين، لمناقشة التحولات التي شهدتها "إسرائيل" منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى اليوم.
تهديدات مترابطة
وقدّم المعهد خلال المؤتمر ما وصفه بـ"التصور الشامل للتهديدات" التي قد تواجه "إسرائيل" خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، مستندًا إلى استطلاع للرأي شمل نحو ألف إسرائيلي، إضافة إلى تقديرات أكثر من 150 خبيرًا ودبلوماسيًا وقائدًا سياسيًا وأمنيًا.
وخلصت الدراسة إلى أن "إسرائيل" تواجه شبكة مترابطة من التهديدات الداخلية والخارجية، وأن أي ضعف في أحد عناصر القوة سينعكس مباشرة على بقية المجالات، بما يشبه "العاصفة الكاملة"، حيث يؤدي تراجع التماسك الداخلي إلى إضعاف القدرة على التعبئة، فيما يحد تراجع الدعم الدولي من قدرة "إسرائيل" على إدارة الحروب وتأمين السلاح والغطاء السياسي، بينما تؤثر الضغوط الاقتصادية والديمغرافية في قدرة دولة وجيش الاحتلال على مواصلة الحروب والعمليات العسكرية.
وأشار معدّو الدراسة إلى أن الأمن القومي الإسرائيلي يستند إلى أربعة أعمدة رئيسية هي: العلاقات الخارجية، و"مناعة الدولة"، والتفوق التكنولوجي، والقوة العسكرية، مؤكدين أن أي تهديد قد يضرب أكثر من ركيزة في الوقت ذاته.
الانقسام الداخلي في صدارة المخاطر
وأظهرت نتائج الدراسة أن الإسرائيليين باتوا ينظرون إلى التهديدات الداخلية باعتبارها الأخطر، متقدمة على التهديدات الخارجية، إذ عبّر 97% من المشاركين عن قلقهم من الانقسامات الداخلية، مقابل نحو 80% فقط أعربوا عن قلقهم من التهديدات الخارجية.
وصنّفت الدراسة احتمال تحول الانقسام السياسي والاجتماعي إلى مواجهة عنيفة باعتباره أخطر السيناريوهات، في ظل الخلافات المتصاعدة حول "هوية الدولة، والعلاقة بين الدين والدولة، وصلاحيات المؤسسات، وتقاسم أعباء الخدمة العسكرية"، معتبرة أن استمرار هذه الانقسامات قد يشجع خصوم "إسرائيل" على استغلال مظاهر الضعف الداخلي.
كما اعتبرت الدراسة أن تراجع الطابع الديمقراطي وإضعاف المؤسسات الرسمية وانخفاض الثقة بها يهدد قدرة "إسرائيل" على اتخاذ القرار وإدارة الأزمات، ويقوض قدرتها على الحفاظ على تماسكها خلال الحروب.
القضية الفلسطينية والديمغرافيا
وتناولت الدراسة القضية الفلسطينية بوصفها تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، ودرست ثلاثة سيناريوهات تتمثل في ضم الأراضي الفلسطينية دون منح الفلسطينيين حقوقًا سياسية، وإقامة دولة فلسطينية، أو التحول إلى دولة ثنائية القومية.
وأظهرت النتائج أن السيناريو الأخير يُنظر إليه باعتباره الأخطر على مستقبل "إسرائيل"، في ظل استمرار السيطرة على الأراضي الفلسطينية وغياب أي أفق سياسي، وهو ما قد يضع الدولة أمام معضلة تمس هويتها اليهودية أو نظامها الديمقراطي.
وفي السياق ذاته، حذرت الدراسة من التحولات الديمغرافية وتراجع الإنتاجية الاقتصادية، إضافة إلى هجرة أصحاب الكفاءات والمهارات العلمية والتكنولوجية، معتبرة أن استمرار هذه الظاهرة قد ينعكس سلبًا على قطاع التكنولوجيا والصناعات العسكرية والجامعات والاقتصاد الإسرائيلي.
إيران والصواريخ والدعم الأمريكي
وعلى صعيد التهديدات الخارجية، جاءت إمكانية امتلاك إيران سلاحًا نوويًا في مقدمة المخاطر، إلى جانب احتمال التعرض لهجوم صاروخي واسع من عدة جبهات، واستمرار الحروب لفترات طويلة بما يؤدي إلى استنزاف الجيش والاقتصاد والجمهور الإسرائيلي.
كما صنفت الدراسة تراجع الدعم الأمريكي ضمن أخطر التهديدات الاستراتيجية، مؤكدة أن الغطاء الأمريكي يشكل عنصرًا أساسيًا في توفير السلاح والدعم السياسي والدبلوماسي لـ"إسرائيل"، وأن تآكل هذا الدعم سيقيد حرية حركتها ويضعف قدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية.
وأشارت كذلك إلى تنامي القلق من العزلة الدولية وفقدان الشرعية الخارجية، وما قد يترتب على ذلك من عقوبات أو مقاطعة أو قيود اقتصادية وقانونية تزيد من تعقيد التحديات الأمنية.
هايمان: الإنجازات العسكرية وحدها لا تكفي
وفي كلمته خلال المؤتمر، قال رئيس معهد دراسات الأمن القومي، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" تامير هايمان، إن "إسرائيل" حققت إنجازات عسكرية، لكنها تقف أمام واقع متغير، وأن قيمة هذه الإنجازات تتوقف على قدرة القيادة على تحويلها إلى رؤية شاملة للأمن القومي تشمل السياسة والاقتصاد والمجتمع والعلاقات الإقليمية والدولية.
ورأى هايمان أن حركة حماس استعادت جزءًا من قدراتها في قطاع غزة، رغم سيطرة "إسرائيل" على مساحات واسعة من القطاع، فيما لا يزال مستقبل إدارة غزة غير محسوم. كما أشار إلى أن حزب الله ما زال قائمًا رغم الضغوط التي يواجهها داخل لبنان، بينما تمكنت إيران من الحفاظ على قدرتها على إعادة بناء برنامجها النووي رغم الضربات التي تعرض لها.
وأكد أن الأمن الإسرائيلي يتطلب رؤية سياسية واضحة، إلى جانب القوة العسكرية، وقدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية حتى وإن تعارضت مع المزاج الشعبي، داعيًا إلى توسيع شبكة التحالفات الإقليمية وتعزيز العلاقات مع دول المنطقة.
تحذير من تراجع العلاقة مع واشنطن
واعتبر هايمان أن أخطر التحديات يتمثل في احتمال تراجع الدعم الأمريكي لـ"إسرائيل"، محذرًا من الاعتماد على العلاقة الشخصية بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باعتبارها علاقة مؤقتة لا تعكس التحولات المتسارعة داخل المجتمع الأمريكي.
وأشار إلى وجود تراجع في التأييد الشعبي والحزبي لـ"إسرائيل" داخل الولايات المتحدة، خاصة بين فئة الشباب، داعيًا إلى العمل سريعًا لاستعادة الدعم العابر للحزبين وتعزيز العلاقة مع المجتمع الأمريكي والجالية اليهودية، بالتوازي مع إطلاق مبادرات سياسية وإقليمية تعيد تقديم "إسرائيل" باعتبارها دولة تسعى إلى الاستقرار والاندماج الإقليمي.
واختتم هايمان بالتأكيد أن مستقبل "إسرائيل" لن يتحدد فقط بقدراتها العسكرية، وإنما بقدرتها على دمج القوة العسكرية مع المبادرة السياسية والمناعة الاقتصادية والاجتماعية، محذرًا من أن تزامن الأزمات الداخلية مع الضغوط الخارجية قد يحول التحديات القائمة إلى أزمة استراتيجية تهدد مستقبل دولة الاحتلال.




