هل تتحول الضفة الغربية إلى ساحة لحسم الإنتخابات الإسرائيلية؟

هل تتحول الضفة الغربية إلى ساحة لحسم الإنتخابات الإسرائيلية؟

زمن برس، فلسطين:  منذ اندلاع الحرب على غزة، لم تعد الضفة الغربية بالنسبة للحكومة الإسرائيلية مجرد جبهة أمنية ثانوية، بل أصبحت ميدانًا مركزيًا لإعادة رسم الوقائع السياسية والديموغرافية. واليوم، ومع اقتراب الانتخابات العامة الإسرائيلية المقررة في نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل، تبدو الضفة مرشحة للدخول في مرحلة أكثر خطورة، ليس فقط بسبب تصاعد العمليات العسكرية، وإنما أيضًا بسبب احتمال انتقال إسرائيل من سياسة الاقتحامات المحدودة إلى سياسة إخلاء بلدات فلسطينية كاملة تحت ذرائع أمنية.

هذا الاعتقاد لا يستند إلى قراءة عاطفية، وإنما إلى تسلسل الأحداث الأخيرة. فالهجوم على بلدة تل جنوب غرب نابلس، الذي انتهى باستشهاد أربعة فلسطينيين ومقتل إسرائيليين اثنين بعد اقتحام مستوطنين للبلدة، أعقبه مباشرة إعلان الجيش الإسرائيلي الاستعداد لعملية عسكرية واسعة في شمال الضفة، مع فرض إغلاقات واسعة وإلغاء إجازات الجنود. كما جاءت حادثة السيطرة على سلاح أحد المستوطنين في سوسيا جنوب جبل الخليل لتضيف ذريعة جديدةً لتوسيع العمليات العسكرية في جنوب الضفة أيضًا.

ما يدفع إلى القلق أكثر هو طبيعة الخطاب السياسي الإسرائيلي الذي أعقب الهجوم على تل. فوزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش دعا بصورة علنية إلى إخلاء قرى فلسطينية وتوسيع الاستيطان، بينما تحدثت الحكومة عن إطلاق عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية. ولم تعد الدعوات إلى تهجير السكان الفلسطينيين تصدر من هامش الحياة السياسية، بل من وزراء يشكلون العمود الفقري للائتلاف الحاكم.

لقد سبق لإسرائيل أن طبقت نموذجًا مشابهًا في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، حيث تحولت العمليات العسكرية التي قيل إنها مؤقتة إلى واقع طويل الأمد، أدى إلى تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وخلق مناطق شبه خالية من سكانها الأصليين. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى استمرار نزوح أكثر من 33 ألف لاجئ فلسطيني من مخيمي طولكرم ونور شمس حتى الآن، مع استمرار القيود العسكرية الواسعة. 

من هنا يبرز السؤال، هل سيكون الدور القادم على بلدات فلسطينية كاملة؟ الإجابة يبدو أنه احتمالًا قائمًا في ضوء حجم التعزيزات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتي وصلت إلى ستة وعشرين كتيبة، وهو انتشار غير مسبوق منذ سنوات. فالتحشيد العسكري بهذا الحجم يتجاوز مجرد الرد على حادث أمني، خاصة وأنه ليس هناك أهداف عسكرية في الضفة الغربية وهذا يعكس استعدادًا لعمليات واسعة ضد المدنين قد تستمر لفترة طويلة.

في تطور لافت يعكس عمق القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وجّه نحو  600 مسؤول وقائد سابق من الجيش والموساد والشاباك والشرطة والسلك الدبلوماسي، المنضوين في منظمة "قادة من أجل أمن إسرائيل"، رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، طالبوه فيها باستغلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للضغط عليه من أجل وضع حد لــ "إرهاب المستوطنين" المتصاعد ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وحذّر الموقعون من أن استمرار هذا العنف لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يعرّض أمن إسرائيل والمصالح الأميركية والاستقرار الإقليمي للخطر.

والأكثر دلالة أن الرسالة استخدمت لغة غير مألوفة في الخطاب الإسرائيلي الرسمي، محذرة من تصاعد "الإرهاب اليهودي"، ومؤكدة أن عنف المستوطنين أصبح عاملًا رئيسيًا قد يقود إلى انفجار واسع في الضفة الغربية، ويقوّض أي فرصة للاستقرار أو للتقدم في المسارات السياسية والإقليمية التي تسعى إليها واشنطن. كما اعتبر الموقعون أن استمرار هذا الواقع قد تكون له تداعيات كارثية على إسرائيل نفسها، وليس على الفلسطينيين فقط.

سواء استجاب ترامب لهذه الدعوة أم لم يستجب، فإن مجرد صدور مثل هذه الرسالة يمثل مؤشرًا على اتساع الشرخ داخل إسرائيل بين اليمين الاستيطاني الذي يرى في الضفة الغربية مشروعًا مفتوحًا للضم والسيطرة، وبين شخصيات أمنية وعسكرية تخشى أن يؤدي هذا النهج إلى إشعال مواجهة شاملة تضر بالمصالح الإسرائيلية قبل أي طرف آخر. إنها رسالة تؤكد أن التحذير من مخاطر سياسات الحكومة لم يعد يأتي من الخارج فقط، بل من داخل النخبة الأمنية التي كانت لعقود جزءًا من صناعة القرار في إسرائيل.

من جانب آخر فإن البعد الانتخابي لا يمكن تجاهله. فاليمين الإسرائيلي يعيش مرحلة صعبة بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي تراجع قوته مقارنة بما كانت عليه في ذروة الحرب على غزة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح القضايا الأمنية الوسيلة الأسرع لاستعادة الناخب اليميني الذي يقيس أداء الحكومة بمدى تشددها تجاه الفلسطينيين.

لقد أثبت التاريخ السياسي الإسرائيلي أن الانتخابات كثيرًا ما تُخاض على إيقاع الأمن والحروب. وكلما اشتدت المنافسة داخل معسكر اليمين، ارتفعت وتيرة المزايدة في التشدد تجاه الفلسطينيين. وفي ظل تراجع شعبية اليمين وفق استطلاعات الرأي، قد يصبح توسيع العمليات العسكرية، وتشديد القبضة الأمنية، وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية، أدوات لحشد الأصوات أكثر منها استجابة لحاجة أمنية بحتة.

وفي ضوء المعطيات الحالية، يصعب الجزم بالمسار الذي ستسلكه الأحداث خلال الأشهر القليلة المقبلة، لكن القراءة السياسية والعسكرية تتيح تصور مجموعه من السيناريوهات الرئيسية، تختلف في درجة احتمالها، لكنها جميعًا تظل واردة في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية.

أولى هذه السيناريوهات، توسيع العمليات العسكرية دون تهجير شامل. وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، ويقوم على تكثيف الاقتحامات العسكرية، وفرض إغلاقات واسعة، وزيادة الحواجز، واعتقال أعداد كبيرة من الفلسطينيين، مع استمرار عمليات الاغتيال بالطائرات المسيّرة، على غرار ما شهدته جنين وطولكرم خلال الأشهر الماضية. في هذا السيناريو تحاول إسرائيل إظهار القبضة الأمنية الصارمة دون تحمل الكلفة السياسية والقانونية لتهجير جماعي جديد.

أما السيناريو الثاني فيتمثل بإخلاء بلدات أو أحياء فلسطينية بصورة مؤقتة تحت مبررات أمنية. وإذا تكررت عمليات إطلاق النار أو وقعت حوادث مشابهة لما جرى في بلدة تل أو سوسيا، فقد تلجأ إسرائيل إلى فرض حصار كامل على بلدات محددة، وإجبار سكان أجزاء منها على المغادرة مؤقتًا بحجة تنفيذ عمليات عسكرية واسعة أو البحث عن منفذي الهجمات. وقد يتحول هذا "الإخلاء المؤقت" إلى واقع طويل الأمد، كما حدث في عدد من مخيمات شمال الضفة الغربية، حيث طال أمد نزوح آلاف السكان، وأصبح من الصعب عليهم العودة إلى منازلهم.

والسيناريو الثالث، استغلال التصعيد لخدمة الحملة الانتخابية لليمين. فكلما اقترب موعد الانتخابات، قد تتزايد الضغوط داخل الائتلاف الحاكم لإظهار مزيد من التشدد في الضفة الغربية. وليس من المستبعد أن تدخل الأحزاب اليمينية في منافسة فيما بينها لتقديم برامج أكثر تطرفًا، تشمل توسيع الاستيطان، وفرض سيطرة أمنية أكبر، وتشريع إجراءات أكثر صرامة بحق الفلسطينيين. وفي هذه الحالة تصبح الضفة الغربية جزءًا من الخطاب الانتخابي الداخلي، ويجري توظيف كل حادث أمني لإقناع الناخب الإسرائيلي بأن الحكومة هي الأكثر قدرة على فرض الأمن.

ويتمثل السيناريو الرابع بإنفجار واسع يخرج عن حسابات الجميع. وهذا هو السيناريو الأخطر، إذ إن استمرار العمليات العسكرية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، وتزايد أعداد الضحايا الفلسطينيين، قد يدفع الضفة الغربية إلى موجة مواجهات واسعة لا تقتصر على مدينة أو محافظة بعينها. وقد حذّر عدد من المحللين الإسرائيليين، وكذلك مسؤولون سابقون في المؤسسة الأمنية، من أن الضفة الغربية تقف عند مستوى غير مسبوق من الاحتقان، وأن استمرار السياسات الحالية قد يؤدي إلى انفجار يصعب احتواؤه، ويجبر إسرائيل على توزيع قواتها بين غزة والضفة ولبنان، بما يفرض أعباء أمنية واستراتيجية إضافية.

ورغم اختلاف هذه السيناريوهات، فإن القاسم المشترك بينها هو أن الضفة الغربية ستبقى خلال الأشهر المقبلة في صدارة المشهد الإسرائيلي، ليس فقط باعتبارها تحديا أمنيًا، بل أيضًا باعتبارها عنصرًا مؤثرًا في الصراع السياسي الداخلي بين الأحزاب الإسرائيلية. فكلما اقترب موعد الانتخابات، ازدادت احتمالات توظيف الملف الفلسطيني في المنافسة الحزبية، وهو نمط تكرر مرارًا في تاريخ إسرائيل، حيث كانت الأزمات الأمنية كثيرًا ما تتحول إلى مادة انتخابية، بينما يدفع الفلسطينيون ثمن هذه المنافسة على الأرض.

ومن هنا، فإن مراقبة تطورات الضفة الغربية لا ينبغي أن تقتصر على متابعة الأحداث الميدانية وحدها، بل يجب أن تشمل أيضًا قراءة التحولات داخل السياسة الإسرائيلية نفسها، لأن العلاقة بين الأمن والانتخابات في إسرائيل أصبحت أكثر تداخلًا من أي وقت مضى. وفي هذا السياق، فإن أي تصعيد كبير خلال الأسابيع المقبلة قد لا يكون مجرد رد فعل على حدث أمني، بل جزءًا من معركة سياسية أوسع يسعى كل طرف فيها إلى إثبات أنه الأكثر تشددًا، والأكثر قدرة على فرض الوقائع على الأرض، قبل أن يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع.

إن ما يجري في الضفة الغربية قد لا يكون مجرد سلسلة أحداث أمنية متفرقة، بل بداية مرحلة جديدة تُستخدم فيها معاناة الفلسطينيين مرة أخرى كورقة انتخابية داخل السياسة الإسرائيلية، حيث تتحول عمليات الجيش والمستوطنين ضد الفلسطينيين القرى والبلدات ي الضفة الغربية  إلى ساحات للدعاية الانتخابية، ويصبح التهجير، إن وقع، جزءًا من معركة صناديق الاقتراع.