لماذا اختار عباس الانتخابات التشريعية الآن؟

لماذا اختار عباس الانتخابات التشريعية الآن؟

زمن برس، فلسطين:  مرسوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بإجراء انتخابات المجلس التشريعي في الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل شكل مفاجئة للمراقبين وللرأي العام على وجه الخصوص، ليس لأنه يأتي بعد سنوات طويلة من تعطيل الحياة البرلمانية فقط، وإنما لأنه صدر بعد فترة وجيزة من مرسوم آخر كان يقضي بإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير. والأكثر إثارة للتساؤل أن الرئاسة الفلسطينية والحكومة لم تقدما حتى الآن تفسيرًا واضحًا للرأي العام يشرح أسباب هذا التحول المفاجئ من انتخابات المجلس الوطني إلى انتخابات المجلس التشريعي، أو يوضح ما إذا كان المرسومان يمثلان مسارين متوازيين أم أن أحدهما حل محل الآخر.

الصورة العامة توحي بأن القيادة الفلسطينية تسعى إلى استكمال السيطرة على مختلف مؤسسات النظام السياسي

غياب التفسير الرسمي فتح الباب أمام سيل من الاجتهادات والتكهنات. إلا أن مصدرًا مطلعًا في منظمة التحرير (طلب عدم الكشف عن هويته) كشف في حديث خاص، عن أن انتخابات المجلس التشريعي تأتي عمليًا بديلًا عن انتخابات المجلس الوطني، وأن الأخيرة لن تجرى في المدى المنظور، مشيرًا إلى أن الخطة المطروحة تقوم على انتخاب مجلس تشريعي جديد يضم مائتي عضو.

إذا صحت هذه المعلومات، فإنها تعني أن النظام السياسي الفلسطيني يتجه إلى إعادة ترتيب أولوياته الدستورية والمؤسساتية، لكن ذلك يثير في المقابل إشكاليات قانونية لا تبدو بسيطة. فالمجلس التشريعي الذي انتخب عام 2006 يتكون، وفق القانون الأساسي، من 132 عضوًا. كما أن تعديل عدد أعضائه يدخل، من حيث المبدأ، ضمن صلاحيات السلطة التشريعية نفسها، وليس السلطة التنفيذية.

إلا أن المجلس التشريعي كان قد حُل بقرار من الرئيس الفلسطيني محمود عباس عام 2018، الأمر الذي يطرح سؤالًا قانونيًا بالغ الأهمية: من هي الجهة التي ستمنح الشرعية القانونية لرفع عدد المقاعد من 132 إلى 200؟ وهل سيتم تعديل القانون الأساسي بمرسوم رئاسي، أم سيُصار إلى إيجاد مخرج قانوني استثنائي يبرر هذه الزيادة؟ هذه الأسئلة ليست مجرد تفاصيل إجرائية، بل تمس جوهر الشرعية الدستورية للنظام السياسي الفلسطيني، خاصة أن القضية لا تتعلق فقط بإجراء انتخابات، وإنما بإعادة تشكيل المؤسسة التشريعية برمتها وفق قواعد جديدة لم تُعلن للرأي العام.

سياسيًا، يصعب الاعتقاد أن هذا القرار جاء استجابة مباشرة لمطالب الإصلاح التي تطرحها بعض الدول الأوروبية أو الجهات المانحة. فمنذ سنوات طويلة، تطالب أوروبا بإصلاحات سياسية وإدارية ومالية داخل السلطة الفلسطينية، إلا أن الاستجابة لهذه المطالب بقيت محدودة ومتدرجة، ولم يكن إجراء انتخابات تشريعية مطروحًا بجدية طوال تلك السنوات.

لذلك يبدو أكثر ترجيحًا أن الدافع الأساسي للقرار هو دافع داخلي يرتبط بإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح. فقد شهدت الحركة خلال الأشهر الماضية سلسلة من الانتخابات التنظيمية، بدأت بالشبيبة، ثم المجالس المحلية، وانتهت بالمؤتمر الثامن الذي أعاد تشكيل اللجنة المركزية والمجلس الثوري بطريقة عززت بصورة كبيرة سيطرة الرئيس عباس على مؤسسات الحركة.

وإذا أضيف إلى ذلك إجراء انتخابات تشريعية وفق قواعد جديدة، فإن الصورة العامة توحي بأن القيادة الفلسطينية تسعى إلى استكمال السيطرة على مختلف مؤسسات النظام السياسي، بحيث تدخل المرحلة المقبلة وهي تمتلك أدوات القرار كافة داخل حركة فتح والسلطة الفلسطينية.

ولا يعني ذلك بالضرورة غياب التعددية السياسية أو المنافسة الانتخابية، لكنه يعني أن البيئة السياسية التي ستجرى فيها الانتخابات تختلف كثيرًا عن تلك التي سبقت انتخابات عام 2006، سواء من حيث موازين القوى داخل حركة فتح، أو من حيث شكل النظام السياسي الفلسطيني نفسه بعد ما يقارب عقدين من الانقسام.

أما على صعيد العقبات، فإن القدس التي كانت تشكل في السابق العنوان الأبرز للخلاف حول إجراء الانتخابات، قد لا تكون هذه المرة العقبة الرئيسية. فمن المرجح أن تبذل جهود لإيجاد ترتيبات أو حلول وسط تسمح بإجراء العملية الانتخابية بصورة أو بأخرى، كما حدث في تجارب سابقة، أو عبر صيغ توافقية لا تؤدي إلى تعطيل الانتخابات بالكامل.

لكن العقدة الأكثر تعقيدًا تبدو في قطاع غزة. فالقطاع لم يعد يخضع عمليًا لولاية السلطة الفلسطينية، بل يعيش واقعًا سياسيًا وأمنيًا مختلفًا تمامًا. وإلى جانب استمرار سيطرة حركة حماس على القطاع، برزت خلال الأشهر الأخيرة ترتيبات جديدة مرتبطة بمجلس السلام الذي تشكل برعاية الإدارة الأمبركية، الأمر الذي يجعل السؤال أكثر تعقيدًا: كيف ستتمكن لجنة الانتخابات المركزية من ممارسة صلاحياتها في غزة؟ ومن هي الجهة التي ستوفر البيئة القانونية والأمنية لإجراء الاقتراع؟ وهل ستكون هناك انتخابات شاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة معًا، أم أن العملية ستقتصر على المناطق الخاضعة عمليًا لإدارة السلطة الفلسطينية؟

هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابات، وهي في الواقع أكثر أهمية من موعد الانتخابات نفسه، لأن نجاح أي انتخابات فلسطينية يظل مرتبطًا بقدرتها على شمول جميع الأراضي الفلسطينية، وإلا فإنها ستفتح الباب أمام إشكاليات سياسية وقانونية جديدة.

ومن جانب آخر، فإنه لا يمكن تجاهل توقيت الانتخابات. فمن المقرر أن تجرى الانتخابات التشريعية الفلسطينية بعد نحو شهر واحد فقط من الانتخابات الإسرائيلية، وهو توقيت لا يبدو عفويًا. فإذا أفرزت الانتخابات الإسرائيلية حكومة جديدة تختلف عن حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، فقد تجد القيادة الفلسطينية نفسها أمام بيئة سياسية جديدة، خصوصًا إذا جاءت حكومة إسرائيلية أقل تشددًا وأكثر استعدادًا لاستئناف الاتصالات السياسية مع السلطة الفلسطينية.

صحيح أن الحديث عن العودة السريعة إلى مفاوضات السلام لا يزال سابقًا لأوانه، لكن من الواضح أن الرئيس عباس يحرص على أن يكون النظام السياسي الفلسطيني قد استعاد، ولو جزئيًا، بعض أدوات شرعيته الداخلية قبل الدخول في أي استحقاقات سياسية أو تفاوضية جديدة. فوجود مجلس تشريعي منتخب يمنح السلطة الفلسطينية هامشًا أكبر في مخاطبة المجتمع الدولي، ويعزز قدرتها على الادعاء بأنها تمثل نظامًا سياسيًا يستند إلى انتخابات، لا إلى مؤسسات انتهت ولايتها منذ سنوات طويلة.

كما أن أي حكومة إسرائيلية جديدة قد تجد نفسها، تحت ضغوط أميركية وأوروبية، أمام محاولة لإحياء مسار سياسي يستند مجددًا إلى حل الدولتين، حتى وإن كانت فرص نجاحه محدودة في ظل الوقائع الميدانية التي فرضتها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، وخاصة التوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية.

إجمالًا، يبدو أن مرسوم الانتخابات التشريعية يحمل أبعادًا تتجاوز مجرد الدعوة إلى صناديق الاقتراع. فهو يعكس، على الأرجح، محاولة لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني بما يتلاءم مع توازنات داخلية جديدة، والاستعداد لاحتمالات إقليمية ودولية قد تفرض نفسها بعد الانتخابات الإسرائيلية. لكن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهونًا بالإجابة عن أسئلة أساسية تتعلق بشرعية الإجراءات القانونية، وإمكانية إجراء انتخابات تشمل جميع الأراضي الفلسطينية، ومدى قبول مختلف القوى السياسية بنتائجها.

وبين هذه الاعتبارات جميعها، يبقى المواطن الفلسطيني أمام مشهد سياسي يفتقر إلى كثير من التوضيحات الرسمية، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى الشفافية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالانتخابات ليست مجرد موعد يحدد بمرسوم، وإنما عملية سياسية ودستورية متكاملة تحتاج إلى وضوح في الأهداف، وتوافق في القواعد، وثقة عامة بأن ما يجري يمثل خطوة نحو تجديد النظام السياسي، لا مجرد إعادة ترتيب موازين القوى داخله.