وثائق ماندلسون: إسرائيل دولة مارقة ترتكب جرائم حرب

زمن برس، فلسطين: تكشف "وثائق ماندلسون"، المتعلقة بتعيين السفير البريطاني السابق في واشنطن بيتر ماندلسون، والمرتبط بالملياردير الأميركي المتهم باستغلال القاصرات والأطفال، جيفري إبستين (توفي في سجنه عام 2019)، أن ويس ستريتنغ، وزير الصحة والرعاية الاجتماعية البريطاني السابق والمنافس الحالي على زعامة حزب العمال ورئاسة الحكومة، يرى في إسرائيل "دولة مارقة" يجب أن "تعاقب كدولة"، لأنها "ترتكب جرائم حرب" ضد الفلسطينيين أمام عيون العالم. جاء الانتقاد الحاد في سياق نقاش بين ستريتنغ وماندلسون، يوم 24 يوليو/ تموز 2025، وتكشف الوثائق، التي أفرج عن الدفعة الثانية منها، الاثنين الماضي (الدفعة الأولى من وثائق ماندلسون كانت في مارس/ آذار الماضي)، عن استراتيجية حكومة كير ستارمر الحالية في تبرير الاستمرار بتزويد إسرائيل بأسلحة فتاكة، رغم علمها باستخدام الجيش الإسرائيلي تلك الأسلحة في انتهاك القانون الإنساني الدولي، بقتل الفلسطينيين.
الدفعة الثانية من وثائق ماندلسون
وجاءت وثائق ماندلسون الأخيرة، ضمن ثلاثة مجلدات في الدفعة الثانية من ملفات تعيين ماندلسون سفيراً لدى واشنطن أفرجت عنها الحكومة البريطانية بناءً على اتفاق مع مجلس العموم (البرلمان). وتتضمن الوثائق سلسلة من المراسلات عبر تطبيق واتساب بين ستريتنغ وماندلسون بشأن سياسة بريطانيا تجاه الحرب التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، بعد عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023.
تبيّن وثائق ماندلسون ان المراسلات جرت في 27 يوليو 2025، يوم صدور بيانين عن الحكومتين البريطانية والفرنسية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. وفي البيان البريطاني، قال ستارمر إن المعاناة والمجاعة التي تتكشف في غزة "أمر لا يوصف ولا يمكن تبريره". وأضاف: "نؤكد بوضوح أن إقامة الدولة حق غير قابل للتصرف للشعب الفلسطيني، وأن وقف إطلاق النار سيضعنا على طريق الاعتراف بدولة فلسطينية وحل الدولتين الذي يضمن السلام والأمن للفلسطينيين والإسرائيليين". غير أن ستارمر لم يعلن اعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية رسمياً، إلا في 21 سبتمبر/ أيلول 2025. وبعد ساعات من بيان ستارمر، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية. وقال إنه "تماشياً مع التزامها التاريخي بتحقيق سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، قررت أن تعترف فرنسا بدولة فلسطين"، مضيفاً أنه سيعلن هذا الاعتراف رسمياً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في (بين 22-30) سبتمبر 2025.
ويس ستريتنغ: إسرائيل ترتكب جرائم حرب أمام أعيننا وتتحدث بلغة التطهير العرقي
جاء الحوار في الرسائل الموجودة في وثائق ماندلسون بطلب من ستريتنغ لمناقشة مسألة الاعتراف بدولة فلسطين وعلاقة ذلك بالسياسة الداخلية في بريطانيا. وفي رسائله المتبادلة مع ماندلسون، اعتبر ستريتنغ، الذي استقال من منصبه الشهر الماضي معلناً سعيه إلى زعامة "العمال" ورئاسة الحكومة، بيان ستارمر "ممتازاً". غير أنه عبّر عن اعتقاده بأن بيان ماكرون "يرفع سقف التحدي" أمام بريطانيا. وقال: "أعتقد أننا بحاجة للانضمام إلى فرنسا من الناحية الأخلاقية والسياسية". ومضى قائلاً لماندلسون، الذي كان موجوداً حينها في واشنطن: "أخلاقياً، لأن إسرائيل ترتكب جرائم حرب أمام أعيننا"، مضيفاً أن الحكومة الإسرائيلية "تتحدث بلغة التطهير العرقي". وأبلغه بأنه التقى مسعفين بريطانيين وصفوا له "مشاهد مروعة ومؤلمة من الوحشية المتعمدة ضد النساء والأطفال" في غزة.

في الوقت نفسه، أكد ستريتنغ تأييده لإسرائيل، وقال: "لم أكن يوماً متردداً أو خجولاً في موقفي تجاه إسرائيل. لقد دعمت جماعة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال لأكثر من 20 عاماً". إلا أنه شدد على أن "حزبنا الشقيق (يقصد حزب العمال في إسرائيل)، وصحيفة هآرتس، والتقدميين واضحون بشأن ما يُرتكب باسمهم، وهم يعارضونه". وبينما عبّر الوزير عن "تقدير لحجم الجهد والالتزام الشخصي" من جانب ستارمر وديفيد لامي، وزير الخارجية آنذاك (ووزير العدل ونائب رئيس الوزراء الحالي) بشأن دعم إسرائيل، أضاف أن "الواقع هو ما هو عليه، ونحن بحاجة إلى أن نقود، لا أن نتبع الآخرين"، بشأن الصراع في الشرق الأوسط.
ورداً على ذلك، أشار ماندلسون إلى مخاوف من أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيدفع إسرائيل إلى تدمير احتمال حل الدولتين. وقال إنه بينما يتفهم ما قاله ستريتنغ، فإنه "قلق من أن مثل هذه الخطوة في الوقت الحالي قد تنسف حل الدولتين تماماً إذا قررت إسرائيل أن الاعتراف أحادي الجانب يبرر المزيد من ضم أراضي الضفة الغربية". توقّع أن "تعجز الولايات المتحدة عن منعه أو التراجع عنه"، محذراً من أنه حينئذ "سيكون الأمر قد انتهى". وفي رأيه، هناك "حاجة إلى استخدام وسائل عملية لتحقيق حل الدولتين، ليس بسرعة، وهذا ما أتفهمه، ولكن بصورة واقعية".

وقال إنه يمكن للسلطة الفلسطينية "من خلال الإصلاح وقيادة جديدة أن تدفع بهذا المسار إلى الأمام بدعم عربي وأميركي وأوروبي". كذلك حذّر ماندلسون من أن البديل "استمرار حالة الجمود والدخول في دوامة متصاعدة من التدهور والموت المستمر، على نطاق أكبر مما نشهده الآن". رد ستريتنغ، في المراسلات، بأن "إسرائيل تفعل ذلك على أي حال". وقال إن "هذا سلوك دولة مارقة"، مضيفاً: "لندعهم (الإسرائيليين) يدفعون الثمن كمنبوذين، مع تطبيق عقوبات على الدولة، وليس فقط على قلة من الوزراء". عاد وعلّق ماندلسون بالقول: "أنا لا أضع سياسات الحكومة، بل أساعد فقط في تنفيذها".
بحسب وثائق ماندلسون الأخيرة، طلب من ستريتنغ أن تبقى آراؤه الشخصية بينهما. وتعهد الوزير بذلك. ولما تطرق النقاش إلى مغزى الاعتراف البريطاني بالدولة الفلسطينية، قال ستريتنغ إنه "لا يعني شيئاً عملياً على أرض الواقع". لكنه أضاف أن "الرمزية السياسية مهمة في ظل ما نشهده حالياً". بعد أقل من أربعة أشهر من حوار الرسائل، أقال ستارمر، في 11 سبتمبر 2025، ماندلسون من منصبه بعد أن كشفت وثائق إبستين الأميركية عن علاقات أوثق بكثير مما كان يُعتقد بين ماندلسون وإبستين. وبينما أقيل ماندلسون من منصبه، بعد نحو سبعة أشهر فقط من تعيينه، واضطر إلى الاستقالة من مجلس اللوردات وحزب العمال، ظل ستريتنغ في منصبه حتى 14 مايو/ أيار الماضي، حين استقال تمهيداً لدخول سباق زعامة الحزب الحاكم.
أف-35 مسؤولية بريطانية جليلة
تكشف وثائق أخرى من وثائق ماندلسون أن سياسة بريطانيا تجاه الشرق الأوسط تؤمن بأن تسليح إسرائيل بطائرات أف-35 أهم من الحفاظ على تطبيق القانون الإنساني الدولي، ومنع الجيش الإسرائيلي من ممارسة جرائمه بحق الفلسطينيين. وتشير الوثائق إلى مداولات جرت في النصف الثاني من شهر مايو 2025، بشأن الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.
أثار ماندلسون نقاشاً بين المسؤولين البريطانيين بشأن استثناء لندن قطع غيار طائرات أف- 35 من الحظر على تزويد إسرائيل ببعض الأسلحة
وقد أثار ماندلسون نقاشاً بين المسؤولين البريطانيين بشأن كيفية الردود على الانتقادات الموجهة إلى الحكومة البريطانية بشأن استثنائها قطع غيار طائرات أف-35 المقاتلة من الحظر على تزويد إسرائيل ببعض الأسلحة، في ضوء ممارساتها ضد الفلسطينيين في غزة. وأسفر النقاش، الذي شارك فيه مجلس الأمن القومي ورئيسه وأحد كبار مديريه، ووزارة الخارجية، ورئاسة مجلس الوزراء، عن الاتفاق على خطة للإجابة عن الأسئلة التي قد يواجهها المسؤولون البريطانيون بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة. وتضمنت الخطة، التي وضعها روب ديكسون، مدير الشؤون الدولية ومجموعة السياسة الدولية في الأمانة العامة للأمن القومي في مجلس الوزراء البريطاني، السؤال التالي: "الحكومة (البريطانية) قررت مواصلة إمداد إسرائيل بقطع غيار طائرات أف-35، وهي تعلم أن من المرجح أن تستخدم تلك الطائرات في انتهاك القانون الدولي الإنساني، فكيف يمكن أن يكون هذا مقبولاً أخلافياً؟ وبرر ديكسون ذلك بزعم الدفاع عن أمن أوروبا ودور حلف شمال الأطلسي (ناتو) وضمان السلام والأمن العالميين.

وقال إن "تقويض برنامج (مقاتلات) أف-35 سيقوّض السلام والأمن الدوليين، وقدرة "ناتو" على الردع والدفاع الأوروبي ويخفض الموارد المتاحة لدعم أوكرانيا". وأضافت الخطة أن "من الضروري استبعاد الصادرات المتعلقة ببرنامج أف-35 من التعليق (تعليق تزويد إسرائيل بالأسلحة). وهذا بسبب الدور الاستراتيجي الأوسع لبرنامج أف-35 في ناتو والتوابع الأوسع بالنسبة إلى السلام والأمن الدوليين". وخلص ديكسون إلى أن "من غير الممكن حالياً تعليق ترخيص استخدام إسرائيل مكونات أف-35 من دون أن يتضرر برنامج أف-35 العالمي بكامله، بما في ذلك دوره الاستراتيجي في ناتو". وفي ما يتعلق بأوروبا، رأى مسؤول الأمن القومي البريطاني أن أمن القارة "يواجه لحظة حرجة". وأكدت الخطة أنه "في مواجهة الحرب على قارتنا، تتحمل الحكومة (البريطانية) مسؤولية جليلة في دراسة التأثيرات الكاملة لقرارات الخاصة بتراخيص تصدير الأسلحة من أجل السلام والأمن الدوليين".
إدانة للغة إسرائيل وليس جرائمها
وحسب خطة ديكسون، فإن قرارات تصدير الأسلحة "معقدة وصعبة". ورغم إقرارها بأن من المرجح أن تستخدم إسرائيل طائرات أف-35 في قتل الفلسطينيين، فإن الخطة زعمت أن الحكومة البريطانية أوقفت كل تزويد الجيش الإسرائيلي بالأسلحة المستخدمة في الحرب على غزة. وقالت إن الحكومة "وجدت أن هناك خطراً واضحاً بأنه قد يُستخدم عتاد مصدَّر إلى إسرائيل في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي أو تسهيل ذلك، ولذا علقت كل التراخيص ذات الصلة". ويتمتع برنامج إنتاج طائرات أف-35 المقاتلة وتطويرها بأهمية خاصة ضمن مشروعات الاستثمارات العسكرية البريطانية، خصوصاً في إطار ما تصفه وزارة الدفاع البريطانية بـ"الشراكة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة الطموح في الصناعات والتكنولوجيا الدفاعية".
وقرر أنه يجب ألا تستخدم بريطانيا تعبير "الإبادة الجماعية" في خطابها السياسي والإعلامي والدبلوماسي. وبدلاً من إدانة عمليات الإبادة الجماعية بأشكالها كافة، اقترح نصاً يركز على لغة المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، وليس سلوك الجيش الإسرائيلي. ويقول النص: "نحن واضحون في أننا ندين تماماً اللغة المقيتة التي استخدمتها الحكومة الإسرائيلية أخيراً، المهددة بأن المدنيين سيبدأون النزوح في سياق اليأس بسبب تدمير غزة".





