مجلس السلام وخطة غزة: تعقيدات تنفيذية وأسئلة بلا إجابات

زمن برس، فلسطين: التقى الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية في إسرائيل في أول مؤتمر صحافي له من هذا النوع منذ تسلمه المنصب رسمياً. وأتى المؤتمر بعد اجتماعه الثاني خلال أسبوعين مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو. وخلال ذلك، فصّل ملادينوف المقترح الخاص بخطة نزع سلاح حركة حماس المطروح أمام الحركة. وتوقف عند معاناة الفلسطينيين المستمرة في غزة، مؤكداً أنهم لا يستطيعون الانتظار إلى ما لا نهاية بينما تناقش الأسئلة نفسها لمرات متعددة"، وفقاً لما أوردته صحيفة "هآرتس"، اليوم السبت، مشيرةً إلى أنه "لم يُخفِ حقيقة أن صبره بدأ ينفد أيضاً".
وعلى الرغم من تطرقه إلى كثير من المحاور، إلا أنه رفض، بحسب الصحيفة، الإجابة عن السؤال: "ماذا سيحدث إذا رفضت حماس نزع سلاحها؟"، مع العلم أنه منذ يناير/ كانون الأوّل الماضي أُطلق "مجلس السلام" خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وفي فبراير/ شباط الماضي عُقدت جلسته الأولى في واشنطن، حيث تعهد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بتقديم تمويل بقيمة 7 مليارات دولار لإعادة إعمار القطاع، على أن يأتي معظم هذا التمويل من دول الخليج. وفي دافوس، تعهّدت الولايات المتحدة بالمساهمة بمبلغ 10 مليارات دولار لإعادة إعمار القطاع على مدى عشر سنوات.
ووفقاً لما نقلته "هآرتس" عن ملادينوف، فإن سكان غزة يدفعون الثمن نتيجة التأخير في دفع خطة ترامب إلى الأمام. وبحسب ملادينوف نفسه، فإن "المواطنين الإسرائيليين أيضاً لن ينعموا بالأمن إن بقيت غزة منقسمة، واستمرت حماس في تعزيز قبضتها على الجزء الغربي من القطاع". ومع ذلك، لم يوضح، بحسب الصحيفة، ما الذي يستطيع "مجلس السلام" فعله حيال ذلك؛ إذ إن "المجلس" لا يملك أدوات ضغط على حماس، فيما أداة الضغط الوحيدة هي احتمال أن تستأنف إسرائيل الحرب، وهو ما لا يرغب فيه "المجلس".
وخلال الأشهر الأخيرة، حرص ملادينوف على التأكيد أن الشرط الأساسي للتقدم في خطة ترامب، وعلى رأسها إعادة إعمار القطاع، موافقة الحركة على نزع سلاحها. وفي حديثه مع الصحافيين الأربعاء الماضي، أضاف ملادينوف، لأول مرة، أن تنفيذ خطة نزع السلاح يمكن أن يبدأ فقط بعد أن تفي إسرائيل بالتزاماتها في اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في أكتوبر/ تشرين الأول، إذ شدد، بحسب ما نقلت عنه "هآرتس"، على أنه "لن تُنفذ أي خطوة في خريطة الطريق (التي طُرحت على حماس) قبل تنفيذ البروتوكول الإنساني لوقف إطلاق النار، الذي يشمل إتاحة الوصول إلى المساعدات الإنسانية، ووقف الهجمات العسكرية، وفتح معبر رفح، وبنوداً أخرى".
ما الذي يحدث في معبر رفح؟
في ما يتعلق بحجم المساعدات الإنسانية التي تصل إلى القطاع، يبدو الوضع "معقداً" بوصف "هآرتس"، فمنذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، نشر "منسق أعمال الحكومة في المناطق (الضفة الغربية وغزة المحتلتين)" بيانات حول عدد الشاحنات الداخلة إلى القطاع. وعندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة حربهما على إيران، توقفت حركة الشاحنات إلى القطاع بالكامل. وبعد عدة أيام، وبضغط أميركي، استؤنفت الحركة بحجم محدود. فبدلاً من دخول 600 شاحنة يومياً، دخلت إلى القطاع نحو 250 شاحنة في المتوسط حتى بداية إبريل/ نيسان الماضي.
وباستثناء تلك الفترة، التزمت إسرائيل حجم المساعدات الذي تعهدت بإدخاله، لكن القيود الصارمة التي تفرضها على ما تصفه بـ"المواد ذات الاستخدام المزدوج" تقلّص بدرجة كبيرة إمدادات الوقود، والمعدات الطبية الضرورية، والخيام، والمواد اللازمة لإعادة الإعمار، وكذلك ترميم المباني والبنية التحتية.
وفي ما يتعلق بالمعدات الطبية، قال مسؤولون في دائرة "منسق أعمال الحكومة في المناطق" إنهم "لن يوافقوا على إدخالها إلى مستشفى ناصر بسبب مخاوف من أن تستخدمها حماس"، لكنهم شددوا على أنهم أدخلوا أخيراً كميات كبيرة من المعدات الطبية لتحسين المستشفى الميداني التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر.
وبعد أن أخّر نتنياهو فتح معبر رفح لعدة أشهر، فُتح أخيراً في بداية فبراير/ شباط أمام حركة محدودة جداً، ثم أُغلق خلال الحرب مع إيران، واستؤنف تشغيله مع إعلان وقف إطلاق النار. ويعمل المعبر في أيام الأسبوع فقط، وحتى حينها لا يعمل دائماً.
وطبقاً لما تنقله "هآرتس" عن مصدر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فإن "موظفي منظمة الصحة العالمية المسؤولين عن نقل المرضى والجرحى من غزة إلى المعبر ينهارون تحت ضغط العمل ولا يستطيعون مواكبة الوتيرة المطلوبة". ووفقاً لـ"منسق أعمال الحكومة في المناطق"، فإنه في الأيام التي يعمل فيها المعبر يمر عبره نحو 150 شخصاً في كل اتجاه.
من جهته، يتحدث "مجلس السلام" عن ضرورة توسيع نشاط المعبر، لكن ذلك لا يعتمد فقط على موافقة إسرائيل، بل أيضاً على موافقة مصر. وخلافاً للأشهر الأولى من الحرب ووقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025، فإن مصر لا تسمح لسكان غزة غير المرضى أو الجرحى بالدخول إلى أراضيها عبر معبر رفح. كذلك لا توافق إسرائيل على أن يتجاوز عدد الداخلين إلى القطاع عدد الخارجين منه. وحتى هذه المعضلة لم يتمكن مجلس السلام من إيجاد مخرج لها حتى الآن.
ما مستقبل "الخط الأصفر"؟
أشار ملادينوف إلى أن الوضع القائم الذي يبدو أنه ترسَخ في القطاع على خلفية الجمود في الاتصالات مع حماس ليس وضعاً دائماً؛ كما يتضح ذلك أيضاً من خلال توسيع المساحة الخاضعة لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي. ويستمر هذا التوسع خلال الأشهر الأخيرة، حيث يقتطع الجيش أجزاءً من المساحة المعيشية المحدودة المخصصة للفلسطينيين في غزة.
وفي الصدد، نقلت الصحيفة عن خبير نُظم المعلومات الجغرافية لدى منظمة أطباء بلا حدود، لوري بوفييه، قوله إن "تقديرات المنظمة تشير إلى أن إسرائيل كانت تسيطر في أكتوبر/ تشرين الأوّل على 53% من مساحة القطاع، بينما تسيطر الآن على ما بين 57% و58%". وأضاف أنه إلى جانب المنطقة العازلة التي حددتها إسرائيل ("الخط البرتقالي"، الذي تُلزم فيه المنظمات الإنسانية بتنسيق تحركاتها مع الجيش الإسرائيلي)، فإنها تسيطر على أكثر من 60% من مساحة القطاع. وأوضح أن التوسع مستمر، وأنه خلال الأسابيع الأخيرة رُصدت مربعات صفراء جديدة في حي الزيتون بمدينة غزة.
من جهة أخرى، نفى "مجلس السلام" التقرير الذي نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم"، والذي ادعى أن هذا التوسع بموافقة "المجلس"، لكن استمرار هذه الخطوات، وتجاوز سيطرة الجيش الإسرائيلي للخريطة التي رسمها البيت الأبيض، يثبت أن تأثير "مجلس السلام" في العمليات الإسرائيلية على الأرض محدود للغاية، وفقاً لـ"هآرتس".
وقد سُئل الجيش الإسرائيلي عن الهجمات في القطاع وعن توسيع منطقة السيطرة الإسرائيلية، فرد قائلاً: "تواصل حماس محاولاتها لتعزيز قوتها ودفع مخططات إرهابية تنتهك اتفاق وقف إطلاق النار. وتنتشر قوات الجيش الإسرائيلي التابعة للقيادة الجنوبية في المنطقة وفقاً للاتفاق، مواصلة العمل لإزالة أي تهديد فوري لقوات الجيش الإسرائيلي ولمواطني دولة إسرائيل"، على حد تعبيره.
في نهاية إبريل/ نيسان، قدّم "مجلس السلام" إلى حماس النسخة المحسّنة من المقترح، رداً على المطالب والمخاوف التي طرحتها الحركة والفصائل الأخرى أمام ممثلي المجلس خلال المفاوضات في القاهرة.
ونقلت "هآرتس" عن مصادر مطلعة قولها إن "حماس ستُطالَب بنزع سلاحها فقط عندما تقوم بذلك أيضاً المليشيات التي سلّحتها إسرائيل"، فيما شدد ملادينوف على أن المقترح المقدم إلى حماس قائم على مبدأ المعاملة بالمثل. ومن المفترض أن تضمن آلية للمراقبة والتحقق أن ينزع الطرفان السلاح بشكل متزامن. وإذا لم يلتزم أحد الطرفين بتعهداته، فلن يُطلب من الطرف الآخر المضي قدماً.
كذلك ألمحت وثيقة المقترح المؤلفة من 15 بنداً إلى أن عناصر الشرطة العاملين في القطاع تحت حكم حماس سيتمكنون من مواصلة عملهم. ومع العلم أن الشرطة ظلت هدفاً متكرراً للهجمات الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة. ووفقاً للمقترح، يفترض أن يندمج رجال الشرطة الجدد الذين جندتهم اللجنة التكنوقراطية في الأجهزة الشرطية القائمة، على أن يخضع الجميع لفحوص أمنية، أي لتدقيق من جهاز "الشاباك الإسرائيلي".
وفي ظل هذا الوضع، يدرس "مجلس السلام" اللجوء إلى الخيار الوحيد الذي يبدو أنه ما زال مطروحاً، وهو البدء في إعادة إعمار القطاع في المناطق التي لا تسيطر عليها حماس، كما هو مفصل في البند الـ17 من خطة ترامب المؤلفة من 20 بنداً. وبحسب الصحيفة، ثمة مشكلة أساسية في هذا التوجه، باعتباره يتطلب موافقة إسرائيلية. وبحسب هذا البند، يُفترض أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي ستبدأ فيها عملية إعادة الإعمار، وأن تحل محله "قوة استقرار دولية". واستبعدت الصحيفة بالمطلق أن يوافق نتنياهو على ذلك، ما لم يضع ترامب "المسدس على الطاولة"، في إشارة إلى الضغط عليه وإجباره على ذلك.
وقبل ذلك، وحتى تتمكن خطة ترامب من التقدم، وإن بشكل محدود، يتعين على إسرائيل أن تسمح لأعضاء اللجنة التكنوقراطية بالدخول إلى غزة، وأن توافق على خروج رجال الشرطة الذين جندتهم اللجنة في القطاع لتلقي تدريبات في مصر أو الأردن.
إلى ذلك، نقلت الصحيفة عن مصدر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، قوله إن "المستوى السياسي الإسرائيلي يرفض أيضاً القيام بذلك من دون موافقة حماس على نزع سلاحها. ومن المرجح أن نتنياهو أوضح ذلك لملادينوف خلال اجتماعهما يوم الأربعاء، وبعده خرج الممثل الأعلى لمجلس السلام إلى الصحافيين، ووجّه عبرهم نداءً إلى حماس، في محاولة يائسة لإقناعها بنزع سلاحها".





