إقالات في البنتاغون بزمن الحرب على إيران

زمن برس، فلسطين: أعلنت وزارة الحرب الأميركية (بنتاغون)، أول من أمس الخميس، أن رئيس أركان القوات البرّية في الجيش الأميركي، أي رئيس أركان الجيش الأميركي، الجنرال راندي جورج، سيتقاعد بأثر فوري، وذلك بعد ساعات من مطالبة وزير الحرب بيت هيغسيث من جورج، التنحي عن منصبه والتقاعد فوراً، بحسب ما ذكرت وسائل الإعلام الأميركية. وتأتي الإقالة، في وقت تخوض فيه الولايات المتحدة، بالشراكة مع إسرائيل، حرباً على إيران، منذ 28 فبراير/شباط الماضي، تقوم حتى الآن على القصف الجوي، من دون أن يستبعد البنتاغون المبادرة إلى هجوم برّي محدّد أو واسع، مع زيادة تحشيداته في المنطقة، واستقدام قوات إضافية لهذا الغرض.
وتطرح إقالة جورج، تساؤلات حول ما إذا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وجّه خطاباً للأميركيين فجر أول من أمس الخميس، حول مجريات الحرب وأهدافها، قد صرف النظر عن أي عملية برّية، يؤكد محلّلون عسكريون وجنرالات سابقون أن كلفتها قد تكون باهظة، وهو ما استدعى الإقالة إذا ما كان جورج معارضاً. علماً أن العملية تحتاج إلى قيادة عسكرية متحررة من مشاكل الوزارة، وتأثير حملة التطهير التي بدأها هيغسيث منذ تسلّمه منصبه بعد عودة ترامب للرئاسة بداية العام الماضي، ويبدو أنه يواصلها في خضم الحرب. كما لم يكن واضحاً أمس، ما إذا كانت الإقالة على علاقة بأي احتكاك بين هيغسيث وجورج على خلفية الحرب، إلا أن خصوم وزير الحرب، خصوصاً من الديمقراطيين الذين عيّنوا جورج في المنصب في عهد جو بايدن، لا يتوقفون عن اتهام وزير الحرب بعدم الكفاءة، وعدم امتلاك القرار الحرّ في معارضة قرار ترامب بالحرب، رغم أن هيغسيث الذي يدعو إلى "سحق الأعداء" و"قتلهم جميعاً"، كان ميّالاً بحسب سيرته الذاتية، وتصريحاته حين كان لا يزال مقدم برامج تلفزيونية، للالتفات إلى الصين.
جورج عيّنه بايدن في المنصب، وكانت مقررة مغادرته في عام 2027
رؤية هيغسيث تخيّم على البنتاغون
ولكن حتى يوم، بقي كل ما يرشح عن أسباب إقالة رئيس أركان القوات البرّية، مرتبطاً بما يريد هيغسيث تطبيقه حول "رؤيته" في وزارة الدفاع، بعدما عمد منذ أكثر من عام إلى فرض نموذج من التطهير في البنتاغون يقوم خصوصاً على تمييز جندري وعرقي وحتى اجتماعي، وطبّق إسقاطات دينية على الجيش، تتردد صداها في الحرب الحالية، بعد ما رشح عن اعتراض عدد من أفراد الجيش على تلقينهم بأن الحرب مع إيران هي حرب نهاية العالم.
وكان الجنرال راندي جورج، المولود عام 1964، تولى منصبه رئيس الأركان الـ41 للقوات البرّية، في سبتمبر/أيلول 2023 بعد مصادقة مجلس الشيوخ وترشيح من قبل بايدن. وعادة تبلغ مدة هذا المنصب في البنتاغون أربع سنوات، ما يعني أنه كانت مقرّرة مغادرته العام المقبل. وشغل جورج قبل ذلك منصب نائب رئيس أركان القوات البرّية. وجورج متخرج من الأكاديمية العسكرية في ويست بوينت عام 1988 ضابط مشاة، وشارك في عمليات عسكرية عدة في منطقة الشرق الأوسط، من بينها حرب الخليج مع الفرقة الجوية 101، وغزو العراق عام 2003، وحرب أفغانستان عام 2001. وشغل جورج مناصب قيادية مهمة عدة في الجيش الأميركي، منها قائد الفرقة الرابعة مشاة، ومساعد عسكري أول لوزير الحرب السابق لويد أوستن (في عهد بايدن)، بالإضافة إلى منصب نائب رئيس الأركان من عام 2022 حتى 2023، وأخيراً المنصب الذي يُغادره اليوم، كما حصل على شهادتين في الدراسات العليا (ماجستير)، إحداهما في الاقتصاد والثانية في الدراسات الأمنية الدولية من كلية الحرب البحرية.
وبحكم موقعه رئيساً لأركان الجيش الأميركي، كان جورج يشرف على قيادة القوات البرّية، في حين تعود القيادة العليا للقوات المسلحة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، وهي هيئة تضم قادة القوات البرّية والجوية والبحرية ومشاة البحرية والقوات الفضائية والحرس الوطني. وتعد إقالة جورج أحدث حالات التوتر القائم بين وزير الحرب وقيادات الجيش، حيث كان قد أمر وزير الجيش دان دريسكول بإقالة أحد كبار مستشاريه، العقيد ديفيد باتلر. ومنذ توليه منصبه، أقال هيغسيث أكثر من 12 ضابطاً عسكرياً، بمن فيهم نائب رئيس أركان القوات الجوية جيمس لايف، ورئيس وكالة استخبارات الدفاع جيفري كروز ورئيس العمليات البحرية الأدميرال ليزا فرانشيتي.
ومن المرجح أن يختار هيغسيث، الجنرال كريستوفر لانييف، الذي كان يشغل سابقاً منصب المساعد العسكري له، ليكون خلفاً لجورج، والذي سبق أن وصفه هيغسيث في يناير/كانون الثاني الماضي، بأنه "قائد استثنائي من طراز فريد سيساعد في ضمان استعادة الجيش لروح المحارب وإعادة بناء قدراته بما يتناسب مع المتطلبات الحديثة لساحات المعارك وردع الأعداء في مختلف أنحاء العالم". ويحتاج هذا المنصب في البنتاغون إلى تأكيد من مجلس الشيوخ. وكان لانييف قد شغل في السابق منصب قائد الفرقة 82 المحمولة جواً بين 2022 و2023 وهي الفرقة التي توجهت منذ أيام إلى الشرق الأوسط لاحتمالية المشاركة في عملية برّية في إيران. وبحسب الإعلام الأميركي، فقد تمّ حالياً تعيين لانييف، رئيساً لأركان القوات البرّية بالإنابة.
من جهتها، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن الخلافات بين وزير الحرب ورئيس أركان القوات البرّية، لم تكن حول التوجه العام للجيش الأميركي، وإنما محاولة لفرض هيغسيث سيطرته على البنتاغون في ظلّ الشراكة بين الجنرال جورج ووزير الجيش دان دريسكول، الذي يعدّ أصغر وزير للجيش في التاريخ الأميركي (39 عاماً)، وكان أحد أبرز هذه الخلافات يتعلق بعرقلة وزير الحرب ترقية أربعة ضباط في الجيش إلى رتبة جنرال، اثنان منهم من أصول أفريقية، بالإضافة إلى ضابطتين، ما أدّى إلى غضب جورج ودريسكول. وأوضحت الصحيفة نقلاً عن مسؤولين عسكريين، أن جورج طلب الاجتماع مع هيغسيث لمناقشة مسألة إقصاء الضباط الأربعة من الترقية، كما طرح وجهة نظر أن هيغسيث يتدخل بشكل غير ضروري في قرارات شؤون الأفراد الخاصة في الجيش بصفة عامة، مضيفين أن وزير الحرب رفض عقد الاجتماع. وكانت الناشطة اليمينية المتطرفة لورا لومر المقربة من ترامب وهيغسيث، قد نشرت على منصات التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي عن نية وزير الحرب إقالة جورج. وبحسب مجلة ذا أتلانتيك نقلاً عن مصادر مطلعة، فإن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون مستقبل وزير الجيش دان دريسكول، الصديق المقرب من نائب الرئيس جي دي فانس، كما نقلت عن مسؤول في البنتاغون، أن دريسكول من المتوقع أن يغادر منصبه قريباً.
وبإقصاء جورج من منصبه، يكون هيغسيث قد أعاد تشكيل غالبية أعضاء هيئة الأركان المشتركة في البنتاغون التي تتكون من كبار الضباط العسكريين وتقدم المشورة للرئيس ووزير الحرب، حيث تبقى مسؤولان فقط في منصبيهما، منذ تولي هيغسيث مهامه، وهما الجنرال إريك سميث قائد سلاح مشاة البحرية (مارينز)، والجنرال بي سالتزمان، قائد القوات الفضائية. وكان أقيل وأبعد عن البنتاغون كل من الجنرال تشارلز كوينتون براون جونيور (سي كيو براون)، الذي كان يشغل منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة، والأدميرال ليزا فرانشيتي قائدة القوات البحرية، والأدميرال ليندا فاغان قائدة خفر السواحل، والجنرال جيمس سلايف نائب رئيس أركان القوات الجوية، والجنرال ديفيد ألفين رئيس أركان القوات الجوية.
ولم تذكر وزارة الحرب رسمياً سبباً لإقالة جورج، التي تأتي في وقت يعزز فيه الجيش الأميركي وجوده في الشرق الأوسط بالتزامن مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وتتولى القوات البحرية والجوية بشكل رئيسي تنفيذ الضربات في المنطقة، على الرغم من نشر أفراد من القوات البرّية في الشرق الأوسط لتأمين أنظمة الدفاع الجوي. والقوات البرّية هي أكبر فروع القوات المسلحة الأميركية، وتضم حوالي 450 ألف عسكري في الخدمة الفعلية. وبدأ آلاف الجنود من فرقة الإنزال المظلي 82 التابعة للقوات البرّية الأميركية، وهي قوات نخبة، الوصول إلى الشرق الأوسط ربما للمشاركة في عمليات برّية في إيران.
وتواجه الحرب ضد إيران اتهامات بالغموض وعدم وضوح أسبابها، وتواجه تشكيكاً كبيراً واتهاماً بفشلها في إسقاط النظام الإيراني بالسهولة التي كانت تبشّر بها. وكان مدير المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب، جوزيف كينت، أعلن في 17 مارس/ آذار الماضي استقالته، علماً أنه كان من الدائرة الأمنية المقرّبة من ترامب، ومن الأسماء التي ظلت تدعم خياراته وتحركاته. وقال كينت في خطاب استقالته، إنه اختار أن ينأى بنفسه عن حربٍ يراها تفتقر إلى التبرير، ومنذ ذلك الحين، يخرج على وسائل التواصل الاجتماعي، لانتقاد الحرب والتركيز على أنها اندلعت بتحريض من إسرائيل. وبحسب "ذا أتلانتك"، فإن ترامب وهيغسيث عبّروا خلال الحرب مراراً عن سخطهم من أداء الجيش الأميركي فيها، علماً أنها أسفرت حتى الآن عن مقتل 13 جندياً أميركياً وإصابة أكثر من 250. ورأت المجلة أن من شأن أخبار إقالة جورج وربما دريسكول في الأيام المقبلة، أن تخلق عدم استقرار في خضم الحرب، داخل المؤسسة العسكرية.
وذكّرت "ذا أتلانتك" أن حملة التطهير التي يقوم بها هيغسيث داخل الوزارة هي الأكبر في تاريخ أي وزير حرب أميركي، ولم تحصل حتى في عزّ الغزوين الأميركي للعراق وأفغانستان. ولطالما انتقد هيغسيث أداء كبار القادة في البنتاغون، على اعتبارهم غير موالين كفايةً لترامب، ومشككين بقانونية الحروب، علماً أن دولاً غربية حليفة لأميركا، كانت وصفت الحرب على إيران بأنها غير قانونية، ورفضت المشاركة فيها، بل ترفض حتى المشاركة بأي عمل عسكري لفتح مضيق هرمز الذي أغلقه الحرس الثوري. وبحسب الإعلام الأميركي، فإنه يسود جو في البنتاغون، بأن كلّ من يجرأ على معارضة أفكار ترامب وهيغسيث معرضون للطرد.
أقيلت وزيرة العدل بام بوندي الخميس بسبب وثائق إبستين
وبحسب ما يرشح عن الإعلام، أيضاً، فإن قائمة التغييرات المحتملة قد تشمل كلّاً من مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل ووزيرة العمل لوري دريمر. علماً أن ترامب تجنب في عامه الأول بعد العودة إلى البيت الأبيض، تبديل الوجوه وإقالة مسؤولين سريعاً، على غرار ما حصل في ولايته الأولى. وكان قراصنة مرتبطون على الأرجح بإيران، قد اخترقوا بريد باتيل قبل أيام، ونشروا رسائل إلكترونية وصوراً وفيديوهات له. وبدأت الأنباء تخرج عن احتمال طرد باتيل، بعد ساعات قليلة من إعلان إقالة ترامب لوزيرة العدل بام بوندي أول من أمس، على خلفية تزايد الاستياء من أدائها، لا سيما في ما يتعلق بنشر الملفات المرتبطة برجل الأعمال الراحل المدان في جرائم جنسية جيفري إبستين. وذكر الإعلام الأميركي أن ترامب رأى أن بوندي لم تتحرك بالسرعة الكافية لمقاضاة المنتقدين والخصوم الذي أراد توجيه اتهامات جنائية إليهم . وكلّف ترامب نائب بوندي، المحامي تود بلانش، بتولي مهام الوزارة مؤقتاً.
وبعد إقالة وزيرة الأمن الداخلي كريستي نيوم في بداية شهر مارس الماضي لربطها اسمه بالموافقة على فضيحة تعاقد مع حملة إعلانية لمقربين لها من دون مناقصة، وبعد إقالته بوندي، تشير تقديرات أميركية، إلى أنه ربما تكون مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، هي التالية بسبب تقريرها عن الحرب على إيران، بعدما ذكرت في جلسة إحاطة بالكونغرس الشهر الماضي، أن تقديرات الاستخبارات أن إيران لا تشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة وأنها لم تستأنف برنامجها النووي منذ الهجمات الأميركية على المواقع النووية الإيرانية الصيف الماضي. علماً أن غابارد، ديمقراطية في الأصل، وانضمت قبل سنوات قليلة إلى الحزب الجمهوري وحملة ترامب، وهي معروفة سابقاً برفضها الانخراط الأميركي في حروب خارجية، وقالت إن من أسباب انضمامها إلى حملة ترامب، سياسته القائمة على رفض الحروب في الخارج.




