إسرائيل تستثمر حرب إيران لتكريس السيطرة على غزة

إسرائيل تستثمر حرب إيران لتكريس السيطرة على غزة

زمن برس، فلسطين:  دخل قطاع غزة منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مرحلة من الجمود في ما يتعلق بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس دونالد ترامب التي جرى التوصل إليها بموجب اتفاق شرم الشيخ، مع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وكأنّ هذا الجمود على "مزاج" رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي يستثمر الحرب على إيران للتهرب من الالتزامات على الاحتلال بموجب اتفاق وقف النار.

ويرسخ الاحتلال منذ شهور استراتيجية "الهدوء بالنار" عبر ما يقوم به من عمليات اغتيال طاولت قيادات في فصائل المقاومة وعناصر ميدانية، إلى جانب القصف اليومي الجوي والمدفعي عدا عن عمليات النسف والزحف البري. ويوم الأحد الماضي، قصف الاحتلال الإسرائيلي مجموعة فلسطينيين غربي مدينة غزة ما أدى لاستشهاد 3 فلسطينيين وإصابة عدد آخر، وهو ما يعكس استمرار الاحتلال في سياسته القائمة على القصف وتنفيذ الاغتيالات. في الوقت ذاته، ما تزال اللجنة الوطنية لإدارة غزة موجودة في العاصمة المصرية القاهرة وغير قادرة على الوصول إلى القطاع للقيام بمهامها الموكلة إليها على الرغم من الترحيب الفصائلي بها من حركة حماس والسلطة الفلسطينية.

علاوة على ذلك يواصل الاحتلال الإسرائيلي التحكّم في المعابر الحدودية للقطاع عبر استمرار إغلاق معبر رفح البري مع مصر منذ 1 مارس/آذار الماضي تحت ذريعة الواقع الأمني، إلى جانب الفتح المحدود لمعبر كرم أبو سالم التجاري. ويتحكّم الاحتلال في أعداد الشاحنات الواصلة للقطاع المحملة بالمساعدات أو البضائع التجارية فيما يمنع وصول غاز الطهي والوقود من دون إبداء الأسباب وراء ذلك، مكتفياً بالتحريض على حركة حماس بزعم أنها تستفيد من هذه البضائع عبر الضرائب.

وبالتوازي مع ذلك، يحضر ملف القوة الدولية المقرّر نشرها في القطاع ضمن المرحلة الثانية، إذ أعلنت إندونيسيا أنها قد تنسحب من مجلس السلام إذا ما رأت فيه أنه لا يحقق طموحات وتطلعات الفلسطينيين. ويحضر ملف إعادة الإعمار بوصفه أحد الملفات التي تواجه الجمود مع إصرار نتنياهو على أن المرحلة الثانية عنوانها نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية قبل تنفيذ أي عملية إعمار.

تجميد الوضع في غزة

ويبدو الواقع الحالي وحالة الجمود هو الشكل المفضّل بالنسبة لنتنياهو وحكومته في ظل الحرب الإيرانية والانشغال العالمي والدولي بمجريات الحرب في منطقة الشرق الأوسط، والخشية من توسعها على نطاق أكبر.

وقال مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، أحمد الطناني، إنّ التركيز الإعلامي العالمي على تطورات المواجهة الإقليمية أسهم في تقليص مستوى التدقيق الدولي في الخروق اليومية التي يشهدها قطاع غزة، وهو ما خفّض الكلفة السياسية لاستمرار العمليات العسكرية منخفضة الشدة داخل غزة مقارنة بمراحل الحرب السابقة، وأضاف الطناني لـ"العربي الجديد" أن إسرائيل راهنت طوال فترة الاتفاق على سياسة المماطلة لكسب الوقت، مستفيدة من انشغال الوسطاء والولايات المتحدة بتفاصيل الوضع داخل القطاع، وحرصهم على الحفاظ على بنود الاتفاق.

أحمد الطناني: إسرائيل تعمل على تثبيت وقائع ميدانية جديدة داخل غزة، بما يتيح إعادة تشكيل معادلات السيطرة

وبحسب مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات، فإنّ هذه المقاربة قامت على انتظار لحظة يتحوّل فيها الاهتمام الدولي إلى أزمة أخرى في ساحة مختلفة، بما يسمح لحكومة الاحتلال بالتنصل عملياً من الاستحقاقات الجوهرية المرتبطة بمعالجة آثار الحرب في القطاع، وهو ما تحقق فعلياً مع اندلاع الحرب مع إيران. وبيّن أن إسرائيل تعمل في هذا السياق على تثبيت وقائع ميدانية جديدة داخل غزة، بما يتيح إعادة تشكيل معادلات السيطرة تدريجياً من دون الانزلاق إلى استئناف الحرب الشاملة، مع الإبقاء على حالة اشتباك منخفضة الوتيرة.
ولفت إلى أن استمرار هذه السياسة قد يحوّل الإجراءات الحالية، مع مرور الوقت، إلى حقائق ميدانية دائمة، خصوصاً إذا استمر انشغال المجتمع الدولي بالمواجهة الإقليمية، مشيراً إلى أن استمرار العمليات العسكرية المحدودة، إلى جانب سياسات النسف وإعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية، والتحكّم في المعابر والمساعدات، يؤدي تدريجياً إلى تكريس واقع ميداني جديد داخل القطاع.

وفي 19 فبراير/شباط الماضي أقر مجلس السلام في اجتماعه الأول الذي عقد في الولايات المتحدة تعهدات بـ17 مليار دولار كمبالغ أولية من الدول المشاركة فيه من أجل المساهمة في عملية إعادة الإعمار التي تحتاج قرابة 71 مليار دولار.

عرقلة الحلول النهائية

إلى ذلك، رأى المحلل والمختص في الشأن الإسرائيلي سليمان بشارات، أن الاستراتيجية الإسرائيلية في التعامل مع الملفات الإقليمية، بما فيها القضية الفلسطينية، تقوم أساساً على إبقاء هذه الملفات مفتوحة من دون الوصول إلى حلول نهائية أو تسويات مكتملة. وقال بشارات لـ"العربي الجديد" إن هذه المقاربة تخدم إسرائيل على مستويين؛ الأول يتمثل في إبقاء السردية الإسرائيلية القائمة على أن إسرائيل مهددة باستمرار، وهو ما يسهم في تعزيز تماسك الجبهة الداخلية الإسرائيلية. أما المستوى الثاني فيتعلق بالحفاظ على حالة التعاطف والدعم الدولي، وخصوصاً من الولايات المتحدة، تحت ذريعة تلبية الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية، وفقاً للمختص في الشأن الإسرائيلي.

سليمان بشارات: إسرائيل حريصة على عدم إنضاج أي مرحلة سياسية أو إدارية مستقرة في غزة، والإبقاء على حالة من عدم اكتمال الحلول

وأضاف أنّ هذا النهج يفسر حرص إسرائيل على عدم إنضاج أي مرحلة سياسية أو إدارية مستقرة في قطاع غزة، والإبقاء على حالة من عدم اكتمال الحلول والترتيبات المتعلقة بالقطاع، بما يضمن استمرار السيطرة والتحكم في مسار الأحداث. وأشار إلى أن إسرائيل تعمل بالتوازي على تثبيت واقع ميداني جديد ينطلق منه مشروعها في المرحلة المقبلة، موضحاً أن هذا الواقع يقوم أساساً على تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، تمهيداً للتوسع في نطاق الجغرافيا المحيطة، ولفت إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب، من وجهة النظر الإسرائيلية، ترسيخ شبكة استعمارية استيطانية على الأرض الفلسطينية في المقام الأول.

وبيّن أن هذه السياسة ظهرت بوضوح في الضفة الغربية منذ توقيع اتفاقية أوسلو، إذ عملت إسرائيل تدريجياً على توسيع شبكة الاستيطان وتفتيت البنية الجغرافية والديمغرافية الفلسطينية، ما أدى إلى تقويض إمكانية تشكل كيان فلسطيني متصل جغرافياً، وأضاف أن إسرائيل تسعى إلى تطبيق المنطلقات ذاتها في التعاطي مع قطاع غزة. وأكد بشارات أن هذه السياسات تمهد، في الرؤية الإسرائيلية، لإحكام السيطرة على الأرض الفلسطينية، وتعزيز مفهوم "الدولة اليهودية" مع إبقاء الفلسطينيين في موقع الأقلية داخلها، من دون السماح بقيام كيان سياسي فلسطيني مستقل.