أيام عصيبة لاقتصادات الخليج... النفط والتجارة في مرمى الصواريخ

أيام عصيبة لاقتصادات الخليج... النفط والتجارة في مرمى الصواريخ

زمن برس، فلسطين:  أيام عصيبة تلك التي تمرّ على دول الخليج، في أحد أكثر الأوقات توتراً في تاريخ المنطقة، إذ تشهد تصعيداً عسكرياً غير مسبوق للحرب بين أميركا وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر التي امتدت صواريخها ومسيّراتها من قواعد عسكرية ومطارات في دول عربية إلى موانئ تجارية حيوية في سلطنة عُمان والإمارات، لتصل إلى منشآت أرامكو النفطية العملاقة في السعودية.

وتعرضت مصفاة رأس تنورة في أرامكو السعودية، أمس الاثنين، لهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية أدى إلى إشعال حريق صغير جرت السيطرة عليه، لكنه أدى إلى إغلاق المصفاة ووقف الأعمال على نحو احترازي، في تطور يُنبئ بتكلفة اقتصادية كبيرة قد تمتد إلى الأسواق العالمية.
وجاء هذا التصعيد بعد هجمات مكثفة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل على أهداف داخل إيران، ليطلق النظام الإيراني سلسلة من الضربات بالصواريخ والمسيّرات على دول خليجية، وشمل التصعيد أيضاً أول استهداف مباشر لميناء تجاري في سلطنة عُمان (الدقم) وناقلة نفط قبالة سواحلها.
وامتدت التطوّرات من حد العنف العسكري إلى الاقتصاد البحري الحيوي لدول الخليج، إذ أفادت تقارير بأن عدداً من ناقلات النفط التجارية توقفت عن الإبحار عبر مضيق هرمز، بعد إعلان إيران عن إغلاق الممر المائي الحيوي، ما دفع شركات الشحن إلى إعادة توجيه سفنها إلى طرق بديلة أطول، أو تعليق رحلاتها نهائياً حتى يتضح مصير النزاع، حسب ما أوردت وكالة بلومبيرغ، مشيرة إلى أن التوقف في الملاحة أدى إلى ارتفاع ملحوظ في مخاطر الشحن البحري وتوقعات بارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري كثيراً في الأيام المقبلة.

كما جاء استهداف مصفاة رأس تنورة النفطية ليضيف بعداً جديداً للأزمة، إذ تحتل المصفاة مكانة حيوية كأحد أكبر مراكز تصدير النفط في العالم، وتشغل مصهراً بطاقة 550 ألف برميل يومياً، كما تضم المنطقة ميناء لتصدير الخام والمنتجات المكررة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، ما يجعل أي توقف جزئي في العمليات يترجم إلى تأجيلات في شحنات النفط وارتفاع تلقائي في تكاليف النقل والتأمين، وتكبيد السعودية خسائر كبيرة في إيراداتها النفطية، وسط مخاوف من امتداد الضربات الإيرانية إلى منشآت نفطية وغازية في دول خليجية أخرى، حسب محللين.

ويعيد هذا التصعيد إلى الأذهان مخاطر سابقة على البنية النفطية السعودية، لكنه يضيف الآن بعداً جديداً يرتبط مباشرة بثقة المستثمرين في بيئة الإنتاج في الخليج، التي تظهر هشاشة أكبر في مواجهة الهجمات الموجهة إلى المنشآت الرئيسية، حسب تقرير نشرته وكالة رويترز.

ولا تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة فحسب، إذ أظهرت بيانات رسمية تعليق العديد من الرحلات الجوية التجارية في الإمارات وسلطنة عُمان نظراً لإغلاق المجال الجوي كإجراء احترازي، ما وضع ضغوطاً إضافية على قطاع السياحة والنقل الجوي الذي يعد ركيزة مهمة في اقتصادات مثل دبي وأبوظبي ومسقط.
فمثل هذه الإجراءات الاحترازية، رغم كونها لحماية المدنيين، تزيد من الخسائر الاقتصادية الفورية وتعمّق حالة عدم اليقين في الأسواق، ما يمثل تهديداً محدقاً باقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، حسب إفادة خبيرَين لـ"العربي الجديد".
ويعزّز من هكذا أثر بقاء احتمال استهداف منشآت نفطية أخرى في الخليج على نطاق أوسع، خاصة أن السيناريوهات التحليلية الغربية تشير إلى أنّ إيران تمتلك القدرة على مهاجمة مصانع التكرير ومحطات المعالجة ومرافئ التصدير في أكثر من دولة، من خلال مزيج من الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، حسب تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن (CSIS).

الخليج وسلاسل الإمداد البحرية

في هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي بمكتب استشارات في لندن علي متولي، أن التطور الراهن يرفع مستوى المخاطر من مجرد توتر جيوسياسي إلى تعطل لوجستي ملموس، إذ امتد نطاق الاستهداف ليخرج عن مسرح المواجهة المباشر ليشمل ميناء الدقم التجاري وناقلات النفط قرب السواحل العمانية، إذ تعرضت الناقلات لضربات بطائرات مسيرة، وأسفر ذلك عن إصابات بين الطواقم وتضرّر سفن أخرى في الخليج، ما أدى إلى تعليق حركة أو رسو أكثر من 200 سفينة انتظاراً لتقييم المخاطر، وهو ما يضغط فوراً على سلاسل الإمداد البحرية عبر إبطاء الحركة وتأخير الجداول حتى قبل أي إغلاق رسمي للممرات.

ويضيف متولي أن تداعيات الأزمة تظهر بأسرع وأوضح صورة في قطاعَي التأمين والشحن، إذ كانت أجور ناقلات الخام بين الشرق الأوسط وآسيا قد بلغت مستويات قياسية منذ عام 2020 تجاوزت فيها تكلفة بعض الناقلات العملاقة 200 ألف دولار يومياً، ومع الضربات الأخيرة يتوقع ارتفاع أقساط التأمين الحربي في الخليج بنسبة تتراوح بين 25% و50%، ما سيرفع تكلفة كل شحنة ويدفع خطوطاً ملاحية كثيرة لتأجيل رحلاتها أو إعادة تموضعها، وهو انعكاس يؤكد متولي سلبيته، ليس على النفط العالمي فحسب، بل على موازنات الخليج أيضاً.

وتأتي أهمية دخول سلطنة عُمان ضمن نطاق الاستهداف من زاوية ثقة المستثمرين، حسب متولي، موضحاً أن الدقم التي كانت جزءاً حيوياً من البنية اللوجستية الخليجية المرنة، يشهد محيطها الآن رفعاً لعلاوة المخاطر على المدى القريب، ما يدفع المستثمرين لإعادة تسعير مخاطر التنفيذ والتأمين والتعطل والاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، وهو ما يخصم مؤقتاً من جاذبية المشاريع القائمة على الاستقرار التشغيلي الذي كان سمة للاستثمار الخليجي في الموانئ والطاقة.
وعلى الرغم من ذلك، يبيّن متولي أن الاقتصادات الخليجية تظلّ مدعومة نسبياً بتوقعات نمو لدول المجلس بنحو 4-4.5% في عام 2026 مدفوعة بالأنشطة غير النفطية، إلّا أن السيناريو الأرجح للربع القادم في حال استمرار التصعيد، حسب تقديره، هو نمو أبطأ قليلاً دون انهيار عام، إذ ستستفيد الدول المصدرة للنفط مالياً من ارتفاع الأسعار.

القادم ضربة لصلالة؟

في السياق، يشير الخبير الاقتصادي العُماني، خلفان الطوقي، لـ"العربي الجديد"، إلى أن التأثير الاقتصادي للحرب يتركز أساساً في شريانَين حيويَين بالتجارة الدولية، وهما مضيق هرمز والبحر الأحمر، متوقعاً أن يشهد المضيق اضطراباً كبيراً في حركة الملاحة وسلاسل الإمداد، بينما يبقى التأثير المباشر لذلك على ميناء الدقم محدوداً جداً.
ورغم خطورة الموقف، يتوقع الطوقي ألّا تمتد حالة الربكة والاضطراب في منطقة الشرق الأوسط لأكثر من ثلاثة أسابيع، مشيراً إلى أن السلطنة تمتلك احتياطيات استراتيجية من المواد الغذائية والسلع الأساسية تكفي لمدة ستة أشهر، ما يحول دون حدوث تضخم كبير أو نقص في الاحتياجات المعيشية للمواطنين خلال هذه الفترة الحرجة.
ومن الجانب الآخر، ستستفيد دول الخليج المنتجة للنفط والغاز من الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الناتج عن انقطاع سلاسل الإمداد وإغلاق المضائق، ما يعوّض جزئياً عن التحديات اللوجستية، وهو ما يراه الطوقي ميزة نسبية للدول المصدرة في ظل الأزمات الجيوسياسية.
وتبرز أهمية ميناء الدقم كونه بوابة بديلة وآمنة للتوجه نحو أسواق شرق آسيا الكبرى مثل الهند والصين وكوريا واليابان، بعيداً عن بؤر التوتر في البحر الأحمر، ما يجعله خياراً استراتيجياً لضمان استمرار حركة التصدير دون تأثر يذكر بالضربات الحالية، حسب ما يؤكد الطوقي.
غير أن الطوقي يحذر من احتمالية توسع نطاق الاستهداف ليشمل مصالح أميركية أخرى في السلطنة، وتحديداً في منطقة صلالة ومينائها الحيوي، الذي قد يكون أكثر عرضة للتأثر مقارنة بالدقم في حال تصاعد وتيرة الضربات.