انخراط "دفاعي" أوروبي في الحرب على إيران: محاولة متأخرة لحجز مقعد

زمن برس، فلسطين: لا تزال الدول الأوروبية، بعد أيام من العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، والرد الإيراني باستهداف دول الخليج، تتخبط لإيجاد صيغة ردّ موحدة على تفاقم الوضع في الشرق الأوسط، بما يمكن أن يضرّ بمصالحها الاستراتيجية. ويبدو المشهد بالنسبة إلى أوروبا، التي اتخذت طيلة الفترة الماضية مواقف سياسية منتقدة لإيران ومتجاهلة لخطورة العدوان الإسرائيلي الأميركي، بل وحتى مرحّبة باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، معقداً جداً، وحسّاساً، على أكثر من صعيد، فمن جهة لا ترغب القارة، وخصوصاً الدول الثلاث الكبرى فيها والأقوى عسكرياً، فرنسا وألمانيا ومعهما بريطانيا، بالانخراط المباشر والرسمي في الحرب على إيران التي قد تقود المنطقة إلى مستنقع طويل، يعيد فتح جروح الغزو الأميركي للعراق وما بعده، ويأتي في وقت تتسم فيه العلاقات الأميركية الأوروبية بالكثير من التململ والابتعاد، ولا تخدمها قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"الحرب والسلام" التي لا يستشار فيها الحلفاء، بالإضافة إلى عدم امتلاك هذه الدول الإمكانات لمثل هذا الانخراط وحمايته في المياه الإقليمية وعلى الأرض. ولكن من جهة ثانية، فإن بقاء هذه الدول في موقع المتفرج سيحرمها من قطف بعض ثمار الحرب، إذا ما نجح ترامب في إسقاط النظام في طهران.
تموضع الوسط في الحرب على إيران
وبينما قرّرت الترويكا الأوروبية، أو ما يعرف بـ"إي 3"؛ فرنسا وألمانيا وبريطانيا، حتى الآن، كلّ لحساباته، التموضع في الوسط، مع إعلانها أول من أمس الأحد استعدادها لاتخاذ "خطوات دفاعية متكافئة" بهدف "تدمير مصدر قدرة إيران على إطلاق صواريخ ومسيّرات"، وذلك لـ"الدفاع عن مصالحنا ومصالح حلفائنا في المنطقة"، فإن الأكثر ترجيحاً في المرحلة الحالية من الحرب على إيران توفير الدول الثلاث مظلة دفاع فوق سماء الخليج، من دون المشاركة رسمياً في قصف إيران باعتبار ذلك سيكون الصيغة الأقل كلفة سياسياً وعسكرياً، والأكثر قابلية للتسويق داخلياً، من دون الانخراط الرسمي والمباشر في الحرب على إيران. ومظلة كهذه تشمل، عملياً، تعزيز الدوريات الجوية وتكثيف عمليات الاعتراض ضد الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة والدول الخليجية، وضمن أطر ثنائية أو متعددة الأطراف. مع العلم أن وزارة الدفاع البريطانية أعلنت، الأحد الماضي، أن سلاح الجو البريطاني أسقط مسيّرة إيرانية كانت متجهة إلى الأراضي القطرية، وذلك أثناء دورية جوية دفاعية لضمان أمن المجال الجوي القطري والمصالح البريطانية في المنطقة.
وفي كلّ ذلك، تجد هذه الدول نفسها، مجدداً، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في خضمّ حرب لا تملك فيها تأثيراً قوياً، ولا تعدّ فيها لاعباً ذا نفوذ، رغم منحها في كلتا الحالتين شيكاً على بياض لحروب إسرائيل وأميركا، إلا أنها تكافح لعدم فقدان النفوذ في بؤرة استراتيجية من العالم، تعدّ بوابة رئيسية تاريخية بين الشرق والغرب، وشرياناً حيوياً رئيسياً لإمدادات النفط، وتسليم المنطقة نهائياً للتحالف الأميركي الإسرائيلي، بعدما فقدت بشكل تام الشراكة المتساوية في صنع القرار.
نفت فرنسا إرسالة الحاملة شارل ديغول إلى المنطقة
وتكافح الدول الأوروبية لاعتماد نهج سياسي موحد حيال ما يجري في الشرق الأوسط، وتركّز حالياً على: إعلان عدم الانخراط العسكري في ضرب إيران، تحميل الأخيرة مسؤولية الحرب، وإبداء الرغبة في تغيير النظام في طهران ومنح "الحرّية" للشعب الإيراني. وبينما يجري الاتحاد الأوروبي اجتماعات ماراثونية في بروكسل، ستمتد طيلة الأسبوع الحالي، على مستويات عدة (اجتمعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، أمس الاثنين، بمجموعة المفوضين الأوروبيين)، تحت شعار متابعة الأوضاع ووضع آليات لدعم مواطني الاتحاد العالقين والموجودين في الشرق الأوسط، برزت اختلافات أوروبية في وجهات النظر حيال إعلان موقف موحد من الأزمة، لا سيما مع إدانة إسبانيا رسمياً العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران.
وبحسب موقع بوليتيكو، أمس الاثنين، فإن أزمة إيران مثّلت اختباراً جديداً للاتحاد الأوروبي المنقسم، الذي "يواجه معضلة صياغة سياسة خارجية متماسكة في منطقة لا يملك فيها الكثير من النفوذ بينما يواجه الاتحاد تحديات عدة في الداخل والخارج". وبحسب أربعة دبلوماسيين أوروبيين، تحدثوا للموقع، فإن البيان الصادر عن اجتماع 27 وزير خارجية من الاتحاد أول من أمس، شهد خلافاً حول عبارة "القانون الدولي" التي تضمنها، بعدما دعا المجتمعون إلى ممارسة "أقصى درجات ضبط النفس وحماية المدنيين والاحترام الكامل للقانون الدولي" في الصراع المتعلق بإيران، بما في ذلك "مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الإنساني الدولي"، وذلك خشية فهمها على أنها انتقاد لترامب. وقالت مصادر في الخارجية الإسبانية لـ"العربي الجديد" إن إسبانيا لم تتردد في تعطيل صدور البيان بصيغته الأولى، معتبرةً أنه لا يرقى إلى مستوى خطورة الحدث، قبل أن تنجح، بدعم من دول مثل السويد وأيرلندا والدنمارك وسلوفينيا، في إدخال تعديلات عليه، رغم أنه بقي، في نظرها، دون المطلوب.
ويوم أمس، دعت فون ديرلاين إلى بذل كل الجهود من أجل تفادي "اتساع نطاق النزاع"، مندّدة "بأشد العبارات" بـ"الهجمات غير المسؤولة" التي تنفذها إيران نحو دول في المنطقة. واعتبرت أن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي يحيي "أملاً جديداً بالنسبة إلى الشعب الإيراني المظلوم"، مضيفة أن "الحل الوحيد المستدام هو حل دبلوماسي، ما يعني انتقالاً ذا صدقية بالنسبة إلى إيران ووقفاً نهائياً للبرامج النووية والبالستية وإنهاء الأنشطة التي تزعزع استقرار المنطقة".
فون ديرلاين: الحل الوحيد المستدام هو حل دبلوماسي
في غضون ذلك، انتقل قادة الترويكا الأوروبية، المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر، في غضون يوم واحد، من موقف متحفظ، إلى موقف أقلّ حذراً من الحرب على إيران. إذ بعدما أكدوا السبت "عدم مشاركة" دولهم في الحرب، داعين إيران لـ"الامتناع عن توجيه ضربات عسكرية عشوائية"، و"السعي إلى حل تفاوضي"، أعلنت هذه الدول، الأحد، عزمها الانخراط في الحرب على إيران ولو تحت صيغة "دفاعية" وغير مباشرة، حيث أبدى القادة الثلاثة في بيان مشترك استعدادهم لاتخاذ "خطوات دفاعية متكافئة" بهدف "تدمير مصدر قدرة ايران على إطلاق صواريخ ومسيّرات"، وذلك دفاعاً عن مصالحهم ومصالح حلفائهم في المنطقة، مجددين إعرابهم عن "قلقهم حيال الهجمات الصاروخية العشوائية التي تشنّها إيران على دول المنطقة" والتي "استهدفت حلفاءنا المقربين وتهدّد عناصر قواتنا المسلحة ومدنيينا في المنطقة بأسرها"، على أن تتباحث برلين وباريس ولندن "في هذه التدابير الدفاعية مع الولايات المتحدة والحلفاء في المنطقة".
ويأتي هذه الانخراط في ظلّ تأكيد ألمانيا عدم المشاركة في الحرب على إيران رغم تعبيرها عن أهمية إسقاط النظام الإيراني، مقابل استمرار فرنسا في إبداء الانزعاج بصيغة أو بأخرى من العملية العسكرية الأميركية في المنطقة التي "لم يستشر فيها أحد"، مقابل فتح تعرض قاعدة "أكروتيري" التابعة لبريطانيا في قبرص لهجوم مسيّر الباب أمام لندن لإظهار المزيد من الحماسة للوقوف إلى جانب الحليف الأميركي.
وأعلن ستارمر أمس موافقة بلاده على طلب أميركي لاستخدام قواعد المملكة المتحدة لضرب إيران، متذرعاً بهجمات إيران الصاروخية في المنطقة، ومؤكداً مشاركة مقاتلات بريطانية في "عمليات دفاعية منسقة" في التصدي لهجمات إيران، ومعرباً عن اعتقاده بأن "الطريقة الوحيدة لإيقاف التهديد الإيراني، تكمن في تدمير الصواريخ من مصدرها، سواء في مواقع التخزين أو منصات الإطلاق المستخدمة لإطلاقها". وأفاد بأن الولايات المتحدة طلبت استخدام القواعد البريطانية لهذا "الغرض الدفاعي الخاص والمحدود"، واعتبر أن موافقته تتوافق مع القانون الدولي. والحديث هنا يخصّ قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، وقاعدة القوات الجوية الملكية في "فيرفورد" جنوب غربي إنكلترا. لكن ترامب اعتبر في مقابلة مع "ديلي تلغراف" نشرت أمس أن "الأمر استغرق وقتاً طويلاً، طويلاً جداً"، مضيفاً أن ستارمر "أصابنا بخيبة أمل كبيرة".
أما وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول فأكد أن بلاده لن تشارك في أعمال عسكرية ضد إيران، مضيفاً في تصريحات لإذاعة "دويتشلاند فونك" أمس أنه بخلاف بريطانيا، فإن ألمانيا لا تملك مثل القواعد البريطانية وأنه "ليس لدينا أيضا الوسائل العسكرية المناسبة". وتتمركز حالياً وحدات من الجيش الألماني في الأردن والعراق. وردّاً على سؤال عما إذا كانت الحرب على إيران تنتهك القانون الدولي، قال: "هناك بالطبع شكوك في ذلك، ولا جدال في هذا. لكن... مسؤوليتنا كحكومة ألمانية أن نقول ماذا يعني ذلك لنا هنا. وإيران تشكل خطراً كبيراً، ليس فقط على إسرائيل وعلى المنطقة هناك، بل أيضاً على ألمانيا وأوروبا". وإذ أوضح أن هذا الخطر يعني تحديداً أن هناك في إيران "مجدداً برنامجاً كبيراً للصواريخ الباليستية"، وقال: "وهذه صواريخ بمدى يهدد أوروبا أيضاً"، مضيفاً أنه "إذا كُبح جماح هذا النظام بحيث لا يعود قادراً على التصرف ضدنا كما فعل في الماضي، فإن ذلك يزيد من أمننا هنا في ألمانيا، وهذا بالنسبة لي جانب حاسم".
وفي فرنسا، بدا المشهد أكثر حذراً من الحرب الأميركية الجديدة في المنطقة، رغم تصميم باريس على المشاركة في الخطط "الدفاعية"، حماية لمصالحها، وعدم التغيّب بالكامل عن حدثٍ من شأن نتائجه، أياً كانت، أن ترسم شكل المنطقة لفترة طويلة مقبلة. وبناء عليه، أعلن ماكرون، أول من أمس، عن ضرورة رفع الجاهزية القتالية لبلاده في الشرق الأوسط خلال اجتماع لمجلس الدفاع والأمن الوطني الفرنسي، في وقت نفت الخارجية الفرنسية صحة الأنباء التي أفادت بإرسال حاملة الطائرات شارل ديغول إلى شرق البحر المتوسط (كان موقع لو مارين الفرنسي أول من نشر مثل هذه المعلومات). وذكرت الوزارة أن الأخبار التي تناقلتها وسائل إعلام بشأن سحب الحاملة من مهمتها في بحر البلطيق "غير صحيحة".
ولا تملك فرنسا رفاهية إرسال حاملة طائراتها لمنطقة حبلى بالمفاجآت، ومن دون تغطية دفاعية محكمة، لا سيما إذا استعرت الحرب في المياه الإقليمية، فضلاً عن أن باريس، التي تعيش علاقات سيئة مع الحليف الأميركي بعد عودة ترامب للبيت الأبيض، تضع أيضاً في الحسبان تطورات المشهد الأوكراني التي توليه أولوية، فضلاً عمّا تداوله الإعلام الفرنسي خلال اليومين الماضيين، بما في ذلك ما ذكرته صحيفة لاكروا الفرنسية أمس، عن عدم رغبة فرنسية من انتقال الصراع مع إيران إلى الأراضي الأوروبية، ووقوع تفجيرات ذات صبغة "جهادية شيعية"، بعد الهجمات الإرهابية الدامية التي لا تزال تواجهها من إرهاب "داعش". رغم ذلك، فإن فرنسا أبدت التزامها بالدفاع عن حلفائها الخليجيين، وهي منذ عام 2022 منخرطة في اتفاقية تعاون ودفاع مشترك مع الإمارات، لا تلزمها المشاركة في الحرب.
ويوم أمس، أكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن فرنسا "مستعدة" للدفاع عن دول الخليج والأردن ضد إيران "إذا كان ذلك ضرورياً"، وذلك "بما يتلاءم مع الاتفاقات الموقعة مع هذه الدول، وبما ينسجم مع مبادئ الدفاع عن النفس الجماعي الذي يكفله القانون الدولي". ولكن في رسالة تنمّ عن انتقاد لتحلّل إدارة ترامب من كل الأعراف الدولية ومبادئ النظام الدولي، اعتبر أنه كان ينبغي مناقشة الهجمات الإسرائيلية والأميركية "الأحادية" على إيران أمام الهيئات الدولة المقامة لهذا الغرض تحديداً كالأمم المتحدة، موضحاً أنه "كان بإمكان الجميع تحمل مسؤولياتهم، لأنه لا يمكن إضفاء الشرعية اللازمة على استخدام القوة إلا من خلال عرضها على مجلس الأمن الدولي". وشدّد على أنه "يتعين وقف التصعيد العسكري في أسرع وقت ممكن.




