7 آلاف موقع مهدد... تشريعات إسرائيلية تمهّد لضمّ الآثار في الضفة

زمن برس، فلسطين: أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي، في 17 فبراير/شباط الحالي، قراراً باستملاك الموقع الأثري في سبسطية "للمصلحة العامة"، في خطوة تُعد مؤشراً إلى تحوّل أوسع في طريقة تعامل إسرائيل مع التراث الفلسطيني في الضفة الغربية. فالإجراء يأتي في سياق مسار تشريعي وإداري يمنح سلطات الاحتلال غطاءً قانونياً لتوسيع سيطرتها على المواقع الأثرية، بما يتجاوز حدود الأراضي المصنفة (ج) إلى مناطق (ب)، وربما أبعد من ذلك. ويحذّر مسؤولون فلسطينيون من أن نحو سبعة آلاف موقع أثري وديني وسياحي في الضفة الغربية، الواقعة ضمن حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، باتت عملياً مهددة بأوامر استملاك مشابهة، تعطي الاحتلال غطاء قانونياً للاستيطان وطمس أي ذاكرة وارتباط بين الفلسطينين والحضارات التي نشأت على أرضهم.
ويعني إحكام السيطرة على المواقع الأثرية الفلسطينية، وفق مسؤولين في وزارة السياحة والآثار، تقليص قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى معالمهم التاريخية والتراثية، بما في ذلك تلك الواقعة في مناطق مصنفة (أ) بموجب اتفاقية أوسلو، ما يفاقم واقع العزل الجغرافي القائم ويضعف الصلة المكانية بالموروث الثقافي.

في سبسطية، 30 يوليو 2023 (عصام الريماوي/ الأناضول)
ويقول وكيل وزارة السياحة والآثار الفلسطينية صالح طوافشة، لـ"العربي الجديد": "هذه أول مرة تجرؤ حكومة إسرائيلية على إصدار قرار علني بالسيطرة على المواقع الأثرية. القرار الإسرائيلي باستملاك المنطقة الأثرية في سبسطية للمصلحة العامة غير مسبوق، وهو مقدمة لضم الضفة الغربية". ويضيف طوافشة أن المخططات السابقة كانت تُنفذ غالباً من دون إعلان مباشر، بينما يتضمن القرار الحالي مصادرة نحو ألفي دونم وإنشاء حديقة تفصل الموقع الأثري عن محيط البلدة، ما يعني عزله فعلياً. ويرى أن توسيع الإجراءات ليشمل أراضي مصنفة (ب)، الخاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية وفق "أوسلو"، يمثل تطوراً لافتاً في آلية فرض السيطرة.
7 آلاف موقع أثري مهدّد في الضفة
يقدّر عدد المواقع الأثرية والدينية والسياحية في الضفة الغربية، المحتلة منذ عام 1967 بنحو 7 آلاف موقع، وفق طوافشة الذي يوضح أن نحو 60% منها تقع في مناطق مصنفة (ج)، بما يقارب 3800 موقع، فيما يوجد نحو 1800 موقع في مناطق (ب)، و1300 في مناطق (أ). ويشير إلى أن المواقع الواقعة في (ج) و(ب) تُعد الأكثر عرضة لإجراءات عزل أو استملاك مشابهة لما جرى في سبسطية.
ويفيد طوافشة بأن طواقم وزارة السياحة والآثار تواجه منعاً متكرراً من العمل في مناطق (ب) و(ج)، رغم أن مناطق (ب) تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي يعيق عمل الطواقم ويمنعها من تنفيذ مهام الحماية والترميم. ويستشهد بحادثة وقعت الاثنين الماضي، حين كانت فرق الوزارة تنفّذ أعمال تنقيب في أراضي قرية جفنا شمال رام الله، قبل أن تتعرض لإطلاق نار وقنابل صوت وغاز من قبل جيش الاحتلال، ويجري طردها من الموقع، على الرغم من أن القرية مصنفة ضمن مناطق (ب).
وفي ردّه على سؤال بشأن ما يمكن أن تفعله السلطة الفلسطينية إزاء هذه الاعتداءات، يقول طوافشة: "ماذا تستطيع السلطة أن تفعل في ظل التهاون الدولي مع دولة الاحتلال؟". ويضيف أن إنقاذ المواقع الأثرية والسياحية الفلسطينية يواجه "صعوبات كبيرة جداً"، مشيراً إلى أن الجهات الرسمية تعمل على توثيق الاعتداءات الإسرائيلية ومخاطبة المؤسسات الدولية المعنية بالتراث، إلى جانب إعداد خطة حكومية تقوم على مسارين داخلي وخارجي للتصدي للممارسات الإسرائيلية. ويوضح أن من بين أبرز الخطوات التنسيق مع الهيئات المحلية والمجتمع المحلي لتعزيز الالتفاف حول حماية المواقع المهددة، إضافة إلى تمويل عدد منها وتأهيلها، والاستمرار في العمل داخل المواقع المعرّضة للاستهداف رغم المخاطر الميدانية المرتبطة بتدخلات الاحتلال.

أمام "قبر النبي صموئيل" في الضفة الغربية المحتلة، 2 سبتمبر 2022 (أحمد غرابلي/ فرانس برس)
تضمّنت اتفاقية أوسلو بنوداً وتفاهمات تعترف بموجبها السلطة الفلسطينية بحق اليهود في زيارة مواقع دينية وتاريخية تقع داخل الأراضي المصنفة (أ)، كما هو الحال في "قبر يوسف" في قلب مدينة نابلس الذي يشهد اقتحامات متكررة من المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال، وتحول إلى نقطة توتر دائمة سقط فيها عشرات الشهداء من أبناء المدينة خلال تصديهم لتلك الاقتحامات. وينطبق الأمر نفسه على اتفاقية الخليل عام 1997 التي قسّم البلدة القديمة في الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي، ومنحت إسرائيل سيطرة مباشرة على أكثر المواقع الدينية حساسية، بما في ذلك الحرم الإبراهيمي.
من التدمير الميداني إلى التشريع البرلماني
دمّرت إسرائيل أكثر من 316 موقعاً أثرياً في قطاع غزة والضفة الغربية تدميراً كلياً أو جزئياً خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، بحسب تصريحات سابقة لوزير السياحة والآثار الفلسطيني هاني حايك، في ما وصفه بجرائم حرب تستهدف محو التاريخ الفلسطيني. كما يقتحم جيش الاحتلال مدناً وبلدات فلسطينية ويستولي على قطع أثرية، وينقلها بشاحنات عسكرية في وضح النهار. ومن بين الأمثلة ما حدث خلال ديسمبر/كانون الأول 2025 في منطقة جبلية في قرية المزرعة الشرقية قرب رام الله، حيث استولت قوات الاحتلال على نحو خمسة أعمدة من موقع أثري يعود إلى العهد البيزنطي.
في يوليو/تموز 2024، أقرت الهيئة العامة للكنيست، بأغلبية أصوات الائتلاف وعدد من نواب المعارضة وبدعم الحكومة، مشروع قانون يقضي بسريان صلاحيات سلطة الآثار الإسرائيلية على الآثار في جميع مناطق الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أورده المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار). ولم يحدّد مشروع القانون مناطق بعينها، ما يعني شمول الضفة الغربية بأكملها، في خطوة تُعد من قوانين الضم الزاحف.
المشروع طُرح على جدول أعمال الكنيست منذ الولاية البرلمانية العشرين (2015–2019) من قبل نواب كتل اليمين الاستيطاني، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها مسار التشريع الفعلي. ومطلع الشهر الحالي، وافقت لجنة التعليم والثقافة والرياضة في الكنيست الإسرائيلي على مشروع تعديل قانون سلطة الآثار للقراءة الأولى، بهدف إرساء مسؤولية مباشرة لإسرائيل عن إدارة ورعاية الآثار والتراث في الضفة الغربية، مع إنشاء "هيئة تراث الضفة الغربية" بميزانية سنوية تقديرية لا تقل عن 30 مليون شيكل (أكثر من 9 ملايين دولار).

آثار الدمار في المسجد العمري الكبير في غزة، 27 يناير 2024 (علي جاد الله/ الأناضول)
ويقول مدير مديرية وزارة السياحة في نابلس ضرغام الفارس، لـ"العربي الجديد"، إن "هناك 59 موقعاً ومعْلماً أثرياً وسياحياً في محافظة نابلس مهددة بأن تلقى مصير سبسطية بالضم والاستيلاء، وهي موزعة بين أراضٍ مصنفة (ج) و(ب)". ويضيف أن إسرائيل استولت على ملكيات خاصة بذريعة حماية الآثار، مشيراً إلى أن أي مواطن يحاول الوصول إلى أرضه يُتهم من قبل الاحتلال بالتنقيب غير القانوني عن الآثار، ما يعرّضه للاعتقال. ويؤكد الفارس أن قرارات الاحتلال المتعلقة بالمواقع الأثرية والتاريخية "فتحت شهية المستوطنين" للاستيلاء على مواقع لم تكن سابقاً ضمن نطاق استهدافهم المعلن. ويشير إلى مقامات وقبور إسلامية في قريتي طلوزة وبزاريا في محافظة نابلس، المصنفتين ضمن أراضي (ب)، لم تكن ضمن المواقع التي أعلن الاحتلال نيته السيطرة عليها، لكنها تتعرض حالياً لاقتحامات يومية من قبل المستوطنين، معتبراً أن ذلك ينذر بتصعيد إضافي في المرحلة المقبلة.
توظيف سياسي وتمدد استيطاني
يرى رئيس قسم الآثار والتراث في جامعة الخليل، محمد عداربة، أن إسرائيل دأبت على توظيف ملف الآثار في خدمة أهداف سياسية، من خلال تبنّي روايات "تفتقر إلى الأساس العلمي في علم الآثار"، معتبراً أن "لب الصراع يتمحور حول الأرض بوصفها موروثاً دينياً وحضارياً تسعى إسرائيل إلى توظيفه سياسياً عبر الاستناد إلى ما تصفه بأدلة أثرية".
ويقول عداربة، لـ"العربي الجديد" إنّ إسرائيل "تحاول البحث عن ذرائع لتبرير وجودها على الأرض"، مشيراً إلى أن ما يُطرح بشأن حماية مواقع مثل سبسطية من التهميش يندرج ضمن مسار أوسع للسيطرة على المواقع الأثرية وعيون المياه والأراضي الزراعية، في إطار السياسة الاستيطانية. ويستشهد بتصريحات سابقة لوزير المالية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش حول ما سماه "ثورة استيطانية" في الضفة الغربية، معتبراً أن السيطرة على المواقع الأثرية أحد تجلياتها.
ويضيف أن الإجراءات بدأت منذ سنوات في الخليل، عبر سحب صلاحيات بلدية الخليل والأوقاف الإسلامية على الحرم الإبراهيمي، ثم امتدت تدريجياً إلى مواقع في مناطق نائية، وصولاً إلى سبسطية، ما يعكس تمدداً استيطانياً من جنوب الضفة الغربية إلى شمالها بذريعة حماية الآثار. ويؤكد عداربة أن إسرائيل أدرجت عدداً من المواقع الأثرية والتاريخية ضمن قوائم التراث الإسرائيلي، وحاولت تسجيل بعضها على قائمة التراث العالمي، إلا أن منظمة يونسكو رفضت ذلك، لوقوع هذه المواقع ضمن حدود الرابع من يونيو 1967، أي في أراضٍ فلسطينية محتلة.
ويشير إلى أن السيطرة لم تعد تقتصر على المواقع الواقعة في الأراضي المصنفة (ج) أو (ب)، بل امتدت إلى أراضي (أ)، ويشير إلى محاولات من المستوطنين للسيطرة على مقامات ومساجد إسلامية. ويذكر من بين الأمثلة مساجد في بلدة حلحول شمال الخليل تعود إلى الفترة الأيوبية، مثل مسجد النبي يونس، إضافة إلى مسجد النبي متّى في بيت أمر ومقام النبي صالح في إذنا، فضلاً عن مواقع أثرية في حلحول يقول إن مستوطنين ينظمون فيها طقوساً استناداً إلى روايات توراتية. ويشدد على أنّ هذه الادعاءات "لا تستند إلى أدلة علمية في علم الآثار" معتبراً أن إسرائيل، رغم عدم تقديم إثباتات علمية قاطعة على صحة الروايات التوراتية في المواقع محل النزاع، تواصل ترويجها في سياق الصراع القائم على الأرض.




