إيران وأميركا... هل من حرب في الأفق؟

إيران وأميركا... هل من حرب في الأفق؟

زمن برس، فلسطين:  تشهد الساحة الإقليمية نذر تصعيد متجدّد بين الولايات المتحدة وإيران، على خلفية تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل العسكري دعماً للمحتجين. لكنّ الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي على خلفية الوضع المعيشي والاقتصادي، انتهت في الشوارع منذ نحو عشرة أيام، رغم بقاء أسبابها واستمرار تداعياتها، بما فيها التصعيد السياسي وتبادل التصريحات بين المسؤولين في إيران وأميركا.

عاد الهدوء الحذر إلى إيران بعد ليلتين داميتين في الثامن والتاسع من الشهر الحالي، واللتين شهدتا عمليات تخريب وقتل واسعة طاولت آلاف إيرانيين، وسط الجدل حول أعداد القتلى، مع تأكيد السلطات أنها ستعلن الحصيلة النهائية بعد انتهاء التحقيقات. لكن يبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل سيأمر ترامب بضرب إيران، خصوصاً بعد إرسال وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) مدمّرة ومقاتلات إلى الشرق الأوسط؟ أم أنه تراجع فعلياً عن هذا المسار؟ وتحضر المواجهة المحتملة بين إيران وأميركا بينما لا تزال، وفق ما ذكرته "أسوشييتد برس" أمس الأربعاء، مجموعة حاملة الطائرات الأميركية "يو أس أس أبراهام" تتحرك غرباً نحو الشرق الأوسط، قادمة من آسيا، بالإضافة على تحرك مقاتلات ومعدات أميركية أخرى في منطقة الشرق الأوسط، تتّسم ردات فعل الرئيس الأميركي دائماً بالتقلّب.

يصعّد ترامب حدّة خطاباته حيناً، ثم يخفضها حيناً آخر، منخرطاً في قضايا دولية مثيرة للجدل، مثل تهديده الأخير بـ"السيطرة على غرينلاند" بذريعة الأمن القومي الأميركي. عاد ترامب أول من أمس الثلاثاء، إلى لغة التهديد ضد إيران، متوعداً بمحوها في حال أقدمت على اغتياله، وذلك في ردٍّ على تصاعد التصريحات الإيرانية إثر تهديد سابق من الرئيس الأميركي للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، وحديثه عن ضرورة تغيير القيادة الإيرانية، ما حمل التلويح باغتياله.

التصعيد بين إيران وأميركا

بدأ التصعيد  بين إيران وأميركا مع اندلاع الاحتجاجات في إيران الشهر الماضي، بسبب التدهور الاقتصادي غير المسبوق وانهيار قيمة الريال. وأكد ترامب آنذاك استعداد بلاده للتدخل العسكري إذا ارتكبت السلطات الإيرانية القتل بحق المتظاهرين. وبعد تراجع الاحتجاجات، دعا ترامب المحتجين إلى الاستمرار بتحركهم في الشوارع، واعداً إياهم بأن "المساعدة في الطريق". ثم أبدى ترامب ليونة مفاجئة، مدّعياً أنه تلقى وعوداً من طهران بعدم تنفيذ أحكام الإعدام بحق نحو 800 متظاهر، ومُشيداً بما وصفه بـ"حكمة القيادة الإيرانية"، لكن السلطات في طهران سارعت إلى نفي الرواية برمّتها.

عاد ترامب ليصعّد مجدداً بعدما وصفه خامنئي، في خطاب السبت الماضي، بـ"المجرم"، محمِّلاً إياه مسؤولية مقتل "عدة آلاف من الأشخاص" والخسائر الاقتصادية. ردّ الرئيس الأميركي في اليوم التالي، بهجوم شديد، معلناً في مقابلة مع مجلة بوليتيكو الأميركية، حينها، أن الوقت "قد حان لتغيير القيادة الإيرانية"، في تلويح واضح باغتيال المرشد الإيراني، ما دفع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى التحذير من أن أي اعتداء على خامنئي سيشعل "حرباً شاملة". ولم تمضِ ساعات حتى هدّد ترامب بمحو إيران من على وجه الأرض إذا تعرض لاغتيال، إذ قال في مقابلة مع قناة "نيوز نيشن" الأميركية، أول من أمس، بشأن احتمال اغتياله من قبل إيران: "إذا حدث أي شيء فإن البلاد بأكملها ستنفجر. سأضربهم بالتأكيد بقوة شديدة للغاية". ذكر أنه أصدر أوامر واضحة بهذا الشأن، مضيفاً: "إذا وقع أي شيء، فسيتم محوهم من على وجه الأرض".

وفي سياق التصريحات المتبادلة بين إيران وأميركا شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أمس، في مقال بصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية على أن رد إيران سيكون حازماً وصارماً إن تعرضت لاعتداء. وأوضح في المقال أنه "على عكس ضبط النفس الذي أظهرته إيران في يونيو/حزيران 2025 (العدوان الأميركي الإسرائيلي) لا تتردد قواتنا المسلحة القوية في الرد بكل ما لدينا إذا تعرضنا لهجوم متجدد". وتابع: "هذا ليس تهديداً، بل واقع أشعر أنني بحاجة لإيصاله بوضوح، لأنني باعتباري دبلوماسياً ومحارباً قديماً، أكره الحرب". واعتبر أن "المواجهة الشاملة ستكون شرسة بالتأكيد وستطول أطول بكثير من الجداول الزمنية الخيالية التي تحاول إسرائيل ووكلاؤها ترويجها داخل (إيصالها إلى) البيت الأبيض". وختم مقاله بأنّ "رسالة إيران إلى الرئيس ترامب واضحة: لقد جربت الولايات المتحدة كلّ عمل عدائي يمكن تصوره ضد إيران، من العقوبات والهجمات السيبرانية إلى الهجوم العسكري المباشر ـ وأخيراً، من الواضح أنها أثارت عملية إرهابية كبرى (الاحتجاجات) ـ وكلها باءت بالفشل"، معتبراً أنه "لقد حان الوقت للتفكير بشكل مختلف. جرب الاحترام، الذي سيسمح لنا بالتقدم إلى أبعد مما قد يعتقده المرء".

كذلك، قال عراقجي في مقال افتتاحي نُشر في صحيفة "صداي إيران" الإلكترونية التابعة لموقع المرشد الإيراني، أمس، إن التطورات الأخيرة وما وصفه بـ"العمليات الإرهابية المنظمة الأخيرة"، جاءت امتداداَ لـ"حرب مفروضة استمرت اثني عشر يوماً ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية (العدوان الأميركي الإسرائيلي)". وأوضح أن الأدلة الميدانية "القاطعة" والتصريحات الأميركية الرسمية تؤكد أن هذه العمليات خلال الفترة من 18 إلى 20 يناير/كانون الثاني الحالي لم تكن "اضطرابات عفوية، بل جزءاً من مشروع منسق ومدعوم استخبارياً وإعلامياً وعملياً من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني". وأشار عراقجي إلى أن "التهديدات الصريحة والمتكررة" الصادرة عن الرئيس الأميركي ضد المرشد الإيراني تمثل "إجراءً غير قابل للتغاضي ومخالفة واضحة لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وانتهاكاً لمبدأ حصانة قادة الدول". وأكد أن عمليات توثيق هذه التدخلات والأعمال العدائية جارية بالفعل، وأن التمهيدات القانونية اللازمة قد اكتملت، بحيث سيتم رفع الدعاوى أمام الجهات القضائية المختصة داخل البلاد وفي المحافل الدولية.

من جانبه، وصف المتحدث باسم هيئة الأركان العامة، أبو الفضل شكارجي، تهديدات ترامب بشن هجوم على إيران وتغيير قيادتها بأنها "ضجيج لا نُعيره أي اهتمام"، معتبراً إياها "حرباً نفسية". وأكد في تصريحات مساء أول من أمس، أن "الخطر الحقيقي يتمثل في الحرب الناعمة والمعرفية المستهدفة للعقول؛ فاحتلال الأرض يمكن استعادته، أما احتلال العقول فاستعادته صعبة للغاية وربما مستحيلة".

استراتيجية "الرجل المجنون"

في هذا الصدد، رأى القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني، حسين كنعاني مقدم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن ترامب يسير وفق نظرية "الرجل المجنون" لبريجنسكي (زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، وهي استراتيجية تفاوضية وسياسية تجعل القائد يتصرف بشكل غير متوقع وغير عقلاني ليخيف خصومه)، على غرار ما فعله الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ضد الاتحاد السوفييتي في عهد الحرب الباردة.

حسين كنعاني مقدم: انتخابات الكونغرس النصفية قد تكبح مغامرات ترامب في غرينلاند وإيران وسواهما

وأضاف كنعاني مقدم أن ترامب يسعى عبر الضغط العسكري والاقتصادي إلى إرغام طهران على التفاوض أو الاستسلام، مع إمكانية تنفيذ عمليات عسكرية محدودة في الخليج. وأوضح أنه في ظل كثرة التحديات الدولية التي يواجهها ترامب، قد يقتصر تصعيده على "الانتشار العسكري واستغلال قواعده (قواعد الجيش الأميركي) في المنطقة للسيطرة على صادرات النفط الإيرانية أو محاصرة الجزر المتنازع عليها بين إيران والإمارات (طنب الكبرى، وطنب الصغرى وأبو موسى)".

 

وأشار كنعاني مقدم إلى أن ترامب يدرك قدرة إيران على استهداف قواعد أميركية في بعض دول الخليج، لذا ربما يتجنب استخدامها مباشرة، مستبعداً في الوقت نفسه تدخل إسرائيل في أي مواجهة بين إيران وأميركا "خشية تداعيات إطلاق إيران نحو ألفَي صاروخ" عليها. وفي رأيه فإن هدف ترامب هو إظهار القوة أمام الرأي العام الأميركي، وتقديم نفسه على أنه "القائد الحازم الذي يساعد المتمردين الإيرانيين" ويُثبت للجميع أن عليهم الإصغاء لواشنطن. ورجّح أن انتخابات الكونغرس النصفية المقبلة (نوفمبر/ تشرين الأول المقبل) قد تُكبح "مغامرات ترامب" في غرينلاند وإيران وسواهما، موضحاً أن تداعيات غير متوقعة لحرب مع إيران قد تربك حساباته وحسابات الجمهوريين الانتخابية، ما سيدفعه إلى تبني سياسة أقل عدوانية قبيل الاستحقاق الانتخابي.

صلاح الدين خديو: تصريحات ترامب جزء من سياسة "الضغط الأقصى" على إيران

من جهته، قال الخبير الإيراني، صلاح الدين خديو، لـ"العربي الجديد"، إن تصريحات ترامب وتغريداته الأخيرة تمثل جزءاً من استراتيجيته نحو إيران، القائمة على سياسة "الضغط الأقصى" التي تبناها في بداية ولايته. وأوضح أن هذه السياسة تهدف إلى زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي في إيران، تماماً كما فعل الرئيس الأميركي رونالد ريغان مع الاتحاد السوفييتي في الثمانينيات عبر استغلال أزماته الداخلية. وأكد خديو أن العمل العسكري الأميركي "لم يُلغ بل أُرجئ"، مشيراً إلى استعجال ترامب في إطلاق التصريحات الإعلامية للإبقاء على زخم الاحتجاجات والمعركة النفسية ضد إيران. وأضاف أن هناك حملة إعلامية وسياسية ومعنوية منسقة ضد طهران، تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل بدعم من بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى، لتصوير النظام السياسي في إيران على أنه "شر مطلق" ونزع شرعيته دولياً. وشبّه خديو هذا المسار بما جرى في العراق قبل غزوه عام 2003، حين تحوّل نظام بغداد إلى "قضية إعلامية مركزية"، تمهيداً لتبرير الغزو العسكري.

ورأى خديو أن السيناريو العسكري ضد إيران قد يكون مؤجلاً لا مُلغى، إذ إن المواجهة بين إيران وأميركا باتت "قادمة وغير قابلة للتجنب، ما لم يحدث أمر مفاجئ أو معجزة"، وهو احتمال ضعيف في نظره. وتوقع وقوع المواجهة خلال الشهور الستة المقبلة، مشيراً إلى أن ترامب يسعى أيضاً للحفاظ على صورته باعتباره زعيماً ينفّذ وعوده ويتخذ قرارات حاسمة، بدافع نرجسي لإبقاء نفسه في بؤرة الاهتمام الإعلامي عبر مواقف متلاحقة بشأن ملفات متعددة، من غرينلاند إلى إيران وأوكرانيا وغزة.