قطع المساعدات الأمريكية المقدمة لفلسطين: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وسبل مواجهتها.

زمن برس، فلسطين:  عقد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) يوم الأربعاء 6 آذار في مقره برام الله لقاء طاولة مستديرة بعنوان "قطع المساعدات الأمريكية المقدمة لفلسطين: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وسبل مواجهتها" شارك فيه مدعوون من القطاعين العام والخاص ومن ذوي الاختصاص ولفيف من الخبراء من المنظمات الدولية والدول المانحة. افتتح الجلسة د. بلال فلاح، مدير البحوث في ماس، بكلمة ترحيبية تطرق فيها إلى خلفية سلسلة لقاءات الطاولة المستديرة وأهميتها في مناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية الهامة وذات الأولوية لصانع القرار الفلسطيني، مشيراً إلى أن اللقاءات تسعى لتحليل تلك القضايا من مختلف الجوانب بمشاركة مجموعة مختارة من ذوي الاختصاص للخروج بتوصيات عملية بشأنها ووضعها في متناول صانعي القرارات والسياسات. واعد المعهد ورقة خلفية حول الموضوع عرضها منسق البحوث في ماس الخبير الاقتصادي رجا الخالدي، فيما قدم المداخلات الرئيسية في الجلسة كل من السيد بشير البرغوثي مستشار وحدة السياسات في وزارة الحكم المحلي، والدكتور نصر عبد الكريم الخبير الاقتصادي، والسيد صلاح اللحام رئيس قسم الدراسات والسياسات في برنامج الأغذية العالمي.
في عرضه للورقة، استعرض الخالدي الخلفية التاريخية والسياسية للمعونة الأمريكية للشعب الفلسطيني، وذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية منذ نكبة 1948 من أكبر المانحين للشعب الفلسطيني عبر قنوات مختلفة، ولاعباً سياسياً رئيسياً في المنطقة. وتفاوتت غايات وأشكال الدعم بين إدارة وأخرى لكنها لم تنقطع أبداً. وأشار الى أنها تركزت في ثلاث مجالات رئيسية، دعم الأونروا من خلال آليات/برامج تمويلية متعددة الأطراف وهي تعكس إقرار بقضية فلسطيني واللاجئين، والمساعدات الإنسانية والتنموية الثنائية عبر الوكالة الأمريكية للمعونة USAID، بالإضافة إلى المساعدات الثنائية ضمن برامج السياسية الخارجية والأمنية التي تنفق من خلال عدد من الهيئات الحكومية وخاصة وزارة الخارجية.
واعتبر الخالدي أن التعرض للنهج الثابت في المعونة الامريكية للشعب الفلسطيني هو ضربة قوية بعد قرار الرئيس دونالد ترامب بقطع جميع المساعدات الامريكية المقدمة للشعب الفلسطيني عبر قنواته المختلفة بدءاً من العام 2018، معتبراً القرار بمثابة عقاب جماعي لكل الشعب الفلسطيني، أينما وجد، ويعبر عن رد امريكي سياسي ومالي على رفض القيادة الفلسطينية الانصياع لتوجهات إدارة ترامب بشأن القضية الفلسطينية وموقفها من القدس واللاجئين وانحيازها المطلق لسياسات إسرائيل الاستيطانية. وهو أيضاً تراجعاً استراتيجياً في الرؤية الأمريكية المعتمدة منذ عقود حول مسؤولياتها الدولية ودورها كراعي لعملية السلام في الشرق الأوسط بالتحديد وإن الهجوم على الأونروا هو جزء من هجوم واسع النطاق على المطالب السياسية للشعب الفلسطيني.
مع الإقرار بأن جميع المساعدات الدولية لها أهداف سياسية، فأن حجم المعونة الأميركية تفاوت بين إدارة وأخرى، ويظهر ذلك في الاختلاف الكبير بين حجم الإنفاق في كل من عهد بوش وأوباما وترامب: 2.3 مليار دولار في السنوات الثلاث الأولى لولاية أوباما، وشكل الإنفاق الإجمالي خلال عهده (4.9 مليار دولار) نسبة 71% من إجمالي المعونة منذ 2001، يليه عهد بوش (21%). التغيير الأبرز هو التحول من الأولوية الإنسانية في فترة ما قبل 2010، التي حصلت على المرتبة الثانية (حوالي 24%) من إجمالي المساعدات منذ 2001. التغيير الأبرز في التوزيع القطاعي للمعونة الأميركية هو التحول من الأولوية الإنسانية في فترة ما قبل 2010، التي حصلت على المرتبة الثانية (حوالي 24%) من إجمالي المساعدات منذ 2001. رافق التراجع في قيمة المساعدات الإنسانية انخفاض في المعونة لقطاعات البنية التحتية (النقل/الطرقات والتخزين) والتعليم (ابتدائي وعالي وتأهيل معلمين) والإنماء الاقتصادي (خدمات الأعمال، السياسة التجارية وتطوير قطاع الصناعة وخاصة المنشآت المتناهية الصغر) بواقع 70 و37 و44% على التوالي خلال الفترة 2001-2017.
وفيما يتعلق بدور السلطة الوطنية الفلسطينية فمن الضروري تأمين ما يعادل 250 مليون دولار بدلاً عن المساعدات الأميركية المتوقفة، لتصرف في مجالات "حيوية" تضمن تسيير البرامج الاجتماعية والاقتصادية التي كانت الولايات المتحدة تسهم فيه. وفي حال أضيف إلى هذه الحملة المالية الأمريكية التي تستهدف فقراء فلسطين قبل غيرهم، تصعيد في الحصار المالي الذي تهدد سلطات الاحتلال بفرضه، فإن المشهد المالي والاقتصادي ينذر بالخطر، ويجب على السلطة تكثيف جهودها للحصول على أموال من مانحين خارجيين جدد، وفي النهاية توسيع نطاق الشراكات الدولية، واستثمار المعونة مباشرة في الأنشطة الإنتاجية.
أكد د. عبد الكريم في مداخلته على أنّ الضرر السياسي للمعونات الأمريكية أكبر من أثر الكلفة الاقتصادية الناجمة عن توقفها، وأكد على ضرورة وجود برنامج اقتصادي اجتماعي متكامل يوفر خيارات إستراتيجية للتعامل مع الأزمات قبل نشوبها. أبدى عبد الكريم تخوفه من البعد السياسي لقرار وقف المعونات الأمريكية وأن هذا القرار يندرج تحت إطار تكريس منهج السلام الاقتصادي، ورأى أن هذا القرار يشكل تحديا للحكومة الفلسطينية، وبالتالي يمنحها فرصة لإعادة النظر بالسياسة الاقتصادية الوطنية بعيدا عن الإدارة الأمريكية للملف الفلسطيني مشيرا  بأن المساعدات لم تكن تخدم المصالح الفلسطينية، وأنّ الانفاق الكبير على برامج الحوكمة لم ينعكس بشكل كبير في تحسين جودة الحوكمة. كما طرح د. عبد الكريم عدة خيارات للخروج من الأزمة الحالية تمثلت في: حشد المزيد من الدعم الدولي للحصول على مساعدات من جهات مانحة جديدة وهذا بدوره يتطلب مزيدا من الجهد الدبلوماسي؛ ضرورة ترشيد النفقات للحكومة الفلسطينية لا سيما في المجالات غير الحيوية والتي لا تخدم مصالح الفقراء والفئات المتضررة من البرامج التي تمولها المعونة الأمريكية؛ قيام الحكومة بإجراءات تقشفية، هذا إلى جانب زيادة الإيرادات الضريبية عن طريق وجود نظام ضريبي عادل يأخذ بالحسبان العدالة الضريبية، إضافة إلى توسيع الالتزام الضريبي. ورأى عبد الكريم إن الاستدانة من القطاع المصرفي خيار محدود الأفق ويحمل مخاطر عالية، وشدد على ضرورة التفكير بخيارات إستراتيجية تعزز من القدرة الإنتاجية.
بدوره تحدث السيد صلاح اللحام عن الدور الكبير الذي يقدمه برنامج الأمن الغذائي في خدمة احتياجات الفقراء والطبقات المهمشة في فلسطين وخاصة في قطاع غزة، موضحا في الوقت نفسه التحديات المستقبلية التي ستواجه البرنامج بنتيجة القرار الأميركي بوقف المساعدات عن الفلسطينيين (التي كانت تؤمن 40% من المساعدات الغذائية التي يقدمها البرنامج في فلسطين)، وما يترتب على ذلك من إلحاق أذى مباشر للمصالح الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين الذين يستهدفهم البرنامج. أوضح اللحام كيفية تعامل البرنامج مع الأزمة في السنة الحالية عن طريق الحصول على تمويل من جهات أخرى، وإنشاء آليات تمويلية جديدة والتركيز على الترويج والأعلام لإبراز حيوية المساعدات التي يقدمها البرنامج. ألقى اللحام أيضاًالضوء على التحدي الأكبر المتمثل في الاستدامة في تقديم الخدمات لهذه الفئات مع الأخذ بعين الاعتبار تزايد الاحتياجات مع تناقص المعونات، ناهيك عن مخاطر تراجع الوضع الاقتصادي الكلي خلال هذه السنة.
من جانبه تحدث السيد بشير البرغوثي عن المساعدات الأمريكية المقدمة لهيئات الحكم المحلي ونسبتها من باقي المنح والمساعدات، وعن أبرز المشاريع التي تستهدفها هذه المعونات وهي بطبيعة الحال مشاريع تطويرية، وأوضح أيضا إن هيئات الحكم المحلي كانت تستفيد من المشاريع الأخرى التي تنفذها الوكالة الأمريكية للتنمية (USAID)  بالتعاون مع الجهات الحكومية الأخرى، ورأى البرغوثي أن قطع هذه المعونات سيضر بالمشاريع التطويرية بشكل كبير خصوصا في ظروف شح التمويل وصعوبة الحصول عليه من جهات أخرى، منوهاً أن التمويل المقدم من الاتحاد الأوروبي والمخصص لتمويل مشاريع هيئات الحكم المحلي تم تحويله لصالح تمويل برامج الأونروا.
شدد اغلب الحضور على أن الآثار السياسية لقرار وقف المعونات الأمريكية أعظم من الآثار الاقتصادية، وان هذه القرار إلى جانب العقوبات الإسرائيلية المحتملة يشكل ورقة ضغط كبيرة على الحكومة الفلسطينية للتساوق مع الأهداف والرؤية الأمريكية والإسرائيلية بخصوص القضية الفلسطينية. كما رأى بعض الحضور انه يجب تحقيق الاستفادة العظمى من المنح والمعونات المقدمة للشعب الفلسطيني لخدمة أهداف تعزز من استقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين، بينما شدد آخرين على ضرورة انتهاز الفرصة لإعادة النظر تماماً في سياسات وهيكلية الإنفاق العام بما يعزز من القدرات الذاتية للاقتصاد والتماسك المجتمعي والصمود في مواجهة الهجمة المالية الأميركية والإسرائيلية. وكان هناك إجماع على أن وقف المعونات يضع تحدياً كبيراً أمام الشعب الفلسطيني يجب تحويله إلى فرصة للمزيد من الاعتماد على الذات وبناء القدرات الذاتية، دون إغفال المسؤولية الدولية تجاه اللاجئين الفلسطينيين والشعب الرازخ تحت الاحتلال.